آدم أديب : الثورة التي أسقطت الكيزان… هل تعيدهم الحرب إلى الحكم؟ - صوت الوحدة

آدم أديب : الثورة التي أسقطت الكيزان… هل تعيدهم الحرب إلى الحكم؟


بين ذاكرة الثورة التي وحدت السودانيين ضد حكم الإسلاميين، وواقع الحرب الذي فتح أبواب الانقسام والفوضى، يطرح السودانيون سؤالاً مصيرياً: هل تتحول هذه الحرب إلى الطريق الذي يعبر عبره الكيزان مرة أخرى نحو السلطة؟
في ذاكرة الشعوب لحظات نادرة تتحول فيها المعاناة إلى طاقة أخلاقية هائلة تدفع التاريخ إلى الأمام. وفي السودان كانت ثورة ديسمبر واحدة من تلك اللحظات الفارقة؛ لحظة خرج فيها الملايين إلى الشوارع ليقولوا كلمة واحدة: كفى لثلاثة عقود من حكم الجماعات الكيزانية التي احتكرت السلطة باسم الدين، بينما كانت في الواقع تبني واحداً من أكثر الأنظمة استبداداً وفساداً في تاريخ السودان.
لم تكن الثورة مجرد احتجاج اقتصادي أو صراع سياسي عابر، بل كانت لحظة وعي وطني عميق. فقد أدرك السودانيون أن المشروع الذي حكم البلاد منذ انقلاب 1989 لم يكن مشروع دولة، بل مشروع تنظيم أيديولوجي سيطر على الجيش والاقتصاد والإعلام، وأدار البلاد بعقلية الجماعة لا بعقلية الدولة.
ولذلك خرج السودانيون في ثورة لم يشهد لها التاريخ السوداني مثيلاً. ثورة كسرت الخوف وأسقطت رأس النظام، لكنها في الوقت نفسه كشفت عمق الدولة التي بناها الكيزان داخل مؤسسات الدولة، خاصة داخل الأجهزة العسكرية والأمنية.
غير أن أخطر ما حدث بعد الثورة لم يكن فقط تعثر الانتقال السياسي، بل عودة شبكات الإسلاميين إلى العمل في الظل، مستفيدة من الانقسامات السياسية ومن هشاشة المرحلة الانتقالية.
ثم جاءت الحرب لتكشف الحقيقة التي حاول كثيرون تجاهلها: أن المشروع الكيزاني لم ينتهِ بسقوط النظام، بل بقي متجذراً داخل بعض مراكز القوة في الدولة، ويعمل باستمرار على إعادة إنتاج نفسه عبر التحالفات العسكرية والخطاب التعبوي.
مراوغات الكيزان حول التصنيف الإرهابي
مع تصاعد الحديث عن تصنيف الجماعات المرتبطة بالنظام السابق كتنظيمات إرهابية، بدأ قادة التيار الكيزاني في ممارسة لعبة قديمة: لعبة الغموض والمراوغة.
فالبعض يحاول اختزال القضية في أسماء محددة، وكأن الأمر يتعلق بأفراد مثل علي كرتي أو غيره من القيادات، بينما يحاول آخرون الإيحاء بأن التصنيف قد يطال حزباً بعينه دون غيره.
لكن الحقيقة التي يعرفها السودانيون جيداً أن المسألة ليست مجرد أسماء، بل شبكة سياسية وتنظيمية متكاملة نشأت منذ انقلاب 1989.
هذه الشبكة تشمل:
حزب المؤتمر الوطني الذي حكم السودان لعقود.
الحركة الإسلامية السودانية التي شكّلت العمود الأيديولوجي للنظام.
شبكات الإسلاميين داخل الأجهزة العسكرية والأمنية التي بُنيت عبر سياسة التمكين.
شخصيات وقيادات سياسية وتنظيمية لعبت دوراً مركزياً في إدارة النظام أو إعادة تنظيمه بعد سقوطه.
أما المؤتمر الشعبي وغيره من التشكيلات التي خرجت من عباءة الحركة الإسلامية، فهي في النهاية جزء من السياق السياسي والتنظيمي نفسه، حتى وإن حاولت تقديم نفسها لاحقاً بوجوه مختلفة.
إن محاولة تصوير القضية وكأنها خلاف بين أفراد أو أجنحة ليست سوى محاولة للهروب من الحقيقة الأساسية: أن المشروع الذي حكم السودان لثلاثة عقود قام على تسييس الدين، وتمكين التنظيم، وتفكيك الدولة لصالح الجماعة.
الحرب وإعادة إنتاج الانقسام
الحرب الجارية اليوم لم تدمّر المدن فقط، بل أعادت إلى السطح خطاباً خطيراً ظن كثير من السودانيين أنهم تجاوزوه: خطاب الجهوية والعنصرية والتحريض الاجتماعي.
هذا الخطاب لم يكن عفوياً، بل كان دائماً أحد أدوات الأنظمة السلطوية لإضعاف المجتمع وتمزيق وحدته.
ومع تصاعد الاستقطاب السياسي والعسكري، تحولت بعض ساحات النقاش العام إلى منصات لتبادل الاتهامات والكراهية، وكأن الذاكرة الوطنية التي صنعتها الثورة بدأت تتآكل تحت ضغط الحرب والانقسامات.
كيف يعالج الوسط الثوري الانقسام ويحمي السودان؟
إن أخطر ما يهدد السودان اليوم ليس الحرب وحدها، بل الانقسام الذي أصاب القوى المدنية والثورية.
ومعالجة هذا الوضع تحتاج إلى رؤية سياسية واضحة تقوم على عدة خطوات:
أولاً: استعادة مشروع الثورة كمرجعية وطنية جامعة
فالحرية والسلام والعدالة ليست شعارات عابرة، بل أساس بناء الدولة الجديدة.
ثانياً: بناء جبهة مدنية واسعة
تجمع القوى السياسية ولجان المقاومة ومنظمات المجتمع المدني على برنامج حد أدنى لإنقاذ الدولة.
ثالثاً: مواجهة خطاب الكراهية والجهوية
فالسودان لا يمكن أن يُبنى على أساس القبيلة أو الجهة، بل على أساس المواطنة المتساوية.
رابعاً: تفكيك شبكات التمكين داخل مؤسسات الدولة
فلا يمكن بناء دولة ديمقراطية بينما تبقى شبكات النظام القديم داخل مؤسسات الجيش والأمن والاقتصاد.
خامساً: إعادة بناء الثقة بين القوى السياسية والمجتمع
خاصة مع الشباب الذين كانوا العمود الفقري للثورة.
سادساً: صياغة مشروع وطني جامع لمستقبل السودان
يقوم على العدالة الانتقالية، وإعادة بناء المؤسسات، وتحقيق تنمية متوازنة بين الأقاليم.
الضربة الأخيرة
التاريخ في السودان لا يرحم. فقد جرب هذا الشعب حكم الجماعات التي رفعت الدين شعاراً وحولت الدولة إلى تنظيم مغلق يخدم مصالحه الخاصة، كما جرب الانقسامات التي فتحت الأبواب أمام عودة الاستبداد مرة بعد أخرى.
واليوم يقف السودانيون أمام مفترق طريق جديد:
إما أن يستعيدوا روح ثورتهم التي وحدتهم حول حلم الدولة العادلة،
أو يتركوا فراغ الانقسام مرة أخرى للمشاريع التي تعيش على الفوضى وتقتات من خطاب الكراهية.
والحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح:
السودان لن ينهض بدولة تدار بعقلية التنظيم السري، بل بدولة وطنية تتسع للجميع.

إرسال التعليق

لقد فاتك