مجدي محمد : الكتاب الثاني للثورة السودانية – الامتحان المكشوف (9)
المشهد المفتاح
في قلب العاصمة البريطانية لندن، وفي أحد شوارعها الهادئة، تقف سيارة فارهة أمام وكالة عقارات كبرى. يترجل منها جنرال عسكري وسياسي سوداني فاسد من نخب “دولة 56”. يدخل إلى مكتب المدير، وبكل هدوء، يشتري عقاراً بملايين الدولارات. يتم تحويل المبلغ من حسابات “أوفشور” سرية، تغذت لسنوات من عائدات الذهب السوداني المهرب والمنهوب. مدير البنك الغربي يستقبله بابتسامة عريضة وكؤوس الشمبانيا، متجاهلاً تماماً القوانين الصارمة لمعرفة مصدر الأموال.
في نفس اللحظة، وفي نفس العاصمة الغربية، تفرض مصلحة الضرائب غرامة قاسية على مواطن أوروبي بسيط لتأخره أياماً في دفع ضريبة دخل صغيرة، وتُجمد حساباته البنكية فوراً. وفي قارة أخرى، وتحت شمس حارقة، يموت طفل سوداني في معسكر للنزوح وهو ينتظر كيس طعام يحمل شعار الأمم المتحدة، تبرعت به نفس تلك الدولة الغربية التي استقبلت أموال قاتله. المشهد ليس مسرحية عبثية. إنه التجسيد الدقيق لنفاق النظام العالمي. قسوة مفرطة في تطبيق القانون بالداخل الغربي، مقابل أبواب مشرعة لغسيل أموال قتلة الجنوب.
السؤال: لماذا تحارب العواصم الغربية الفساد في أراضيها بلا رحمة، بينما تشرّع أبواب بنوكها لغسيل أموال الطغاة وأمراء الحرب في أفريقيا؟ هل المجتمع الدولي حليف استراتيجي للتحول الديمقراطي، أم أنه شريك خفي في منظومة الكليبتوقراطية؟ وكيف نتحرر من الوهم القاتل بانتظار “المنقذ الخارجي” الذي يمول جلادينا سراً؟
أولاً: خرافة المجتمع الدولي الأخلاقي (أوهام النخب)
أكبر خطيئة سياسية ارتكبتها النخب المدنية السودانية هي ارتهانها المطلق لمفهوم “المجتمع الدولي الأخلاقي”. تعتقد هذه النخب أن العواصم الغربية تمثل جمعيات خيرية كبرى، تسهر الليل قلقاً على مسار التحول الديمقراطي في السودان. هذا الوهم يعكس جهلاً عميقاً بأبجديات العلاقات الدولية. النظام الدولي لا يُدار بلغة حقوق الإنسان، بل يُدار بلغة المصالح الاستراتيجية، وتأمين مسارات التجارة، واحتكار الموارد الخام. الدول الغربية تستخدم خطابات “حقوق الإنسان” و”التحول الديمقراطي” كأدوات ضغط تكتيكية لترويض الأنظمة المتمردة عليها.
بمجرد أن تتعارض هذه المبادئ الأخلاقية مع تدفقات المال والموارد، يتم طيها ووضعها في الأدراج. المجتمع الدولي لا يتدخل لحماية المدنيين لوجه الله. هو يتدخل فقط عندما تهدد الفوضى مصالحه المباشرة، كأن يؤدي الصراع إلى موجات هجرة جماعية نحو سواحله، أو يهدد الملاحة في البحر الأحمر. طالما أن الحرب محصورة داخل الحدود السودانية، وطالما أن الموارد الخام مستمرة في التدفق نحو الأسواق العالمية بأسعار زهيدة، فإن المجتمع الدولي سيكتفي بإصدار بيانات “القلق العميق”.
ثانياً: النفاق المالي وغسيل أموال النهب المسلح والمصلح
لتفكيك هذا النفاق، يجب أن ننظر إلى حركة الأموال، لا إلى حركة الدبلوماسيين. الاقتصادات الغربية الكبرى تمثل الحاضنة الآمنة والمريحة لأموال كارتيلات الحرب في العالم الثالث. عندما يمارس الجنرال السوداني عمليات “النهب المسلح” في الأطراف، أو يمارس السياسي عملية “النهب المصلح” عبر العقود الحكومية في المركز، فإنه لا يحتفظ بهذه الأموال في الخرطوم، بل يهربها فوراً إلى مراكز المال العالمية في أوروبا أو بعض العواصم الإقليمية التي تعمل كوكيل للغرب.
النظام المصرفي الغربي يفرض إجراءات خانقة تُعرف بـ “العناية الواجبة” (Due Diligence) وقوانين مكافحة غسيل الأموال (AML) على مواطنيه العاديين. لكن عندما يتقدم أمير حرب أفريقي بطلب لفتح حسابات لشركات وهمية، تصاب الرقابة الغربية بالعمى المفاجئ. ولنا في التاريخ القريب شواهد دامغة على هذا النفاق المؤسسي الرأسمالي:
- فضيحة بنك بي إن بي باريبا (BNP Paribas): أقر هذا البنك الفرنسي العملاق بانتهاك العقوبات الأمريكية، حيث تعمد إخفاء وتمرير أكثر 80 مليار دولار لصالح نظام الحركة الإسلامية الإرهابية السودانية في ذروة ارتكابه لفظائع دارفور في الفترة من 2002 الى 2009. الغريب أن الغرامة المليارية 8.97 مليار دولار و التي هي اكبر غرامة عبر التاريخ التي دُفعت ذهبت للخزانة الأمريكية كعقاب على “انتهاك العقوبات”، ولم تذهب لتعويض الضحايا السودانيين الذين مُولت إبادتهم عبر هذه التحويلات.
- تسريبات بنك لويدز (Lloyds Bank): كشفت وثائق ويكيليكس (WikiLeaks) عن برقيات دبلوماسية أمريكية تفيد باعتقاد المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية آنذاك (لويس مورينو أوكامبو) أن الرئيس المخلوع عمر البشير كان يمتلك حسابات سرية تُقدر بـ 9 مليارات دولار في مجموعة بنك لويدز البريطاني. هذا البنك العريق، الذي أنقذه دافع الضرائب البريطاني من الإفلاس، وُجهت له اتهامات سابقة بتجريد التحويلات من بياناتها لتجاوز العقوبات وتسهيل إخفاء ثروات الأنظمة القمعية.
الغرب يحارب الفساد في وطنه لأنه يدمر التنافسية، لكنه يشجع فساد نخبنا، لأن هذا الفساد يضمن تهريب ثرواتنا لتصب في خزانته. اللص في عرف النظام المالي العالمي ليس من يسرق شعبه، بل من يسرق أموال الضرائب الغربية.
ثالثاً: استقرار المقابر (الجنرال المطيع مقابل الديمقراطية المزعجة)
تُروج العواصم الغربية ليل نهار لقيم الديمقراطية، لكن التحليل الاقتصادي يثبت أن الغرب يفضل دائماً التعامل مع دكتاتور عسكري فاسد ومطيع، على التعامل مع ديمقراطية وطنية مؤسسية مزعجة. الديمقراطية تعني برلماناً يراقب، وصحافة تكشف الفساد، وضرائب عادلة على الشركات الأجنبية؛ وهو ما يمثل كابوساً للشركات الاستخراجية متعددة الجنسيات.
في المقابل، التعامل مع جنرال كليبتوقراطي أمر سهل ومربح للغاية. يمكن للجنرال أن يتنازل عن مليون فدان زراعي، أو يمنح امتيازاً لتعدين الذهب لشركة أجنبية، في جلسة واحدة داخل جناح فندق، مقابل عمولة مالية سرية تُودع في حساباته الخارجية واعتراف دبلوماسي بنظامه. الغرب يُسمي هذا الوضع “حفظ الاستقرار”، لكنه في الحقيقة “استقرار المقابر” الذي يضمن تدفق الثروات للشمال، وتدفق الرصاص للجنوب.
رابعاً: اقتصاد الإغاثة كمسكن للألم وصناعة للتبعية
لإخفاء هذه الجريمة الاقتصادية، يلجأ المجتمع الدولي إلى حيلة “المساعدات الإنسانية”. يتبرع المجتمع الدولي للسودان بمئة مليون دولار من الإغاثة بيده اليمنى، لتلتقط كاميرات التلفزة صور طائرات الإمداد بسخاء. لكن في نفس اللحظة، تسمح قوانين وبنوك نفس هذه الدول بتهريب مليارات الدولارات من عائدات الذهب السوداني بيدها اليسرى.
الإغاثة هنا ليست عملاً إنسانياً مجرداً؛ هي عملية “غسيل سمعة” سياسية بتكلفة منخفضة، وأداة لامتصاص غضب الجماهير الجائعة لضمان عدم انفجارها بما يوقف ماكينة استخراج الموارد. الغرب يُبقيك حياً بما يكفي لتستمر في استخراج ذهبه، ومريضاً بما يكفي لئلا تفكر في بناء مصنعك الخاص.
خامساً: الدرس المقارن: أنغولا وفضيحة “لواندا ليكس”
لفهم كيف تعمل المنظومة، يجب تذكر فضيحة “لواندا ليكس” (Luanda Leaks). كيف تمكنت “إيزابيل دوس سانتوس”، ابنة دكتاتور أنغولا السابق وأغنى امرأة في أفريقيا، من غسيل ملياري دولار؟ لقد كشفت التسريبات أن كبرى شركات المحاسبة الغربية، وأكبر مكاتب المحاماة في لندن ولشبونة، هي من صممت لها شبكة التهرب المالي ووفرت لها الغطاء القانوني. لم يتحرك الغرب لفتح ملفاتها إلا بعد أن تنحى والدها عن السلطة وتغيرت موازين القوى. الدرس القاسي: العواصم الغربية تحمي لصوصنا طالما كانوا أقوياء، وتلاحقهم فقط عندما يسقطون بجهدنا نحن. الغرب لا يصنع التغيير؛ الغرب يركب موجة التغيير بعد أن تنجزها الشعوب.
أكياس العيش وخزائن الذهب
في أحد مقاهي المهجر في عاصمة أوروبية باردة، يجلس ناشط حقوقي ومحامٍ سوداني. قضى هذا الشاب سنوات يحاول تتبع أموال قادة مليشيات الحرب السودانية في أوروبا لاستردادها، ليصطدم يومياً بجدار السرية المصرفية وقوانين الشركات العابرة للحدود.
بدارجة سودانية مشبعة بالمرارة والقهر يتحدث قائلاً: “ياخي الخواجات ديل بضحكوا علينا.. بدونا أكياس العيش والخيام الفاضية بيد قدام الكاميرات، وبيدسو دهبنا المسروق وقروشنا المنهوبة في بنوكهم باليد التانية في الضلام. ولما نمشي نشتكي القتلة والحرامية الفي السلطة ديل للمحاكم حقتهم، بقولوا لينا آسفين، ده استثمار قانوني محمي بقانون السرية.. هم شركاء في الدم ده زيهم زي العساكر”.
المقترح التأسيسي:
وحدة استرداد الأصول والملاحقة والتشبيك السياسي
للتعامل مع هذا النفاق العالمي، يجب أن يغير “تحالف التأسيس” التكتيك المدني جذرياً، والانتقال من مربع “استجداء التدخل الأخلاقي” إلى مربع “العمل القانوني الموجع والتشبيك السياسي الذكي”:
- الملاحقة القانونية المباشرة: تحويل مسار المعركة الدبلوماسية لاستهداف الشبكات المالية للجنرالات في الخارج. يجب تأسيس “وحدة استرداد الأصول الوطنية” كجسم قانوني مستقل عابر للحدود، يضم محامين دوليين لرفع قضايا لتجميد أصول كارتيلات الحرب في المحاكم الغربية (الأمريكية والأوروبية) باستخدام قوانين مثل “قانون ماغنيتسكي” (Global Magnitsky Act).
- التشبيك السياسي وتوعية المواطن الغربي (مهمة التحالف الأساسية): تقع على عاتق “تحالف التأسيس” مسؤولية استراتيجية لبناء تحالفات متينة مع الأحزاب السياسية التقدمية، والنقابات، والجماعات الحقوقية الغربية التي تناهض النفاق المؤسسي الرأسمالي. يجب على التحالف أن يساهم في مخاطبة وتوعية “المواطن الغربي” (دافع الضرائب) بخطورة سياسات حكوماته، وشرح كيف أن الأموال المنهوبة التي تغسلها بنوكه الوطنية هي ذاتها التي تمول الحروب، وتُدمر الدول، وتتسبب مباشرة في تفاقم أزمة الهجرة غير الشرعية وتدفق اللاجئين إلى شواطئه. ربط قضايا شعوبنا بالأمن الداخلي للمواطن الغربي هو ما سيخلق ضغطاً انتخابياً وسياسياً حقيقياً على تلك الحكومات لتغيير سياساتها.
- تجريم التسويات المالية العبثية: تجريم أي اتفاق سلام مستقبلي يتضمن العفو المالي أو التنازل عن المطالبة بالأموال المنهوبة المودعة في الخارج
القاعدة الملزمة:
النظام العالمي الذي يغسل أموال اللصوص في بنوكه، لا يمكن أن يكون حليفاً لبناء دولة القانون.



إرسال التعليق