أحمد موسى : السودان بين قرار التصنيف الأمريكي واستحقاقات مواجهة الدولة العميقة - صوت الوحدة

أحمد موسى : السودان بين قرار التصنيف الأمريكي واستحقاقات مواجهة الدولة العميقة

يمثل القرار الذي اتخذته الإدارة الأمريكية بتصنيف الحركة الإسلامية في السودان تنظيماً إرهابياً منعطفاً سياسياً مهماً في مسار الأزمة السودانية. فهذا القرار لا يستهدف تنظيماً بعينه فحسب، بل يسلّط الضوء على واحدة من أعقد القضايا التي واجهت الدولة السودانية طوال عقود، والمتمثلة في تغلغل الحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة وتحويلها إلى أدوات تخدم مشروعها السياسي والأيديولوجي.

ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى القرار بوصفه خطوة منصفة للشعب السوداني الذي دفع ثمناً باهظاً لسياسات الحركة منذ استيلائها على السلطة عام 1989. فقد أدى ذلك إلى تداخل عميق بين الدولة والتنظيم، حيث تحولت مؤسسات الجيش والأمن والاقتصاد إلى أدوات تكرّس بقاء المشروع الإسلامي في الحكم. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في القرار ذاته، بل في كيفية تعامل الداخل السوداني معه، في ظل استمرار الخطاب الإعلامي المضلل الذي تروّجه الحركة الإسلامية وأنصارها.

وتكمن الخطورة في أن المواطن السوداني قد يجد نفسه في نهاية المطاف من يدفع كلفة هذا التصنيف، إذا استمرت حالة الإنكار الرسمي، واستمر استخدام مؤسسات الدولة لحماية عناصر الحركة الإسلامية. فالمجتمع الدولي، وفي مقدمته الولايات المتحدة، لن يكتفي بإعلان التصنيف، بل من المرجح أن تتبعه إجراءات سياسية واقتصادية سيكون لها تأثير مباشر على اقتصاد يعاني أصلاً من الهشاشة وتراكم الأزمات.

وفي هذا السياق بدأت بالفعل ملامح موقف إقليمي متقارب مع القرار الأمريكي في التبلور. فقد أبدت المملكة العربية السعودية تأييدها للتصنيف، باعتبارها من أهم الدول الداعمة لبورتسودان، وهو موقف يعكس توجهاً لدى بعض دول المنطقة لمواجهة التنظيمات المرتبطة بالإسلام السياسي. كما أن مصر، رغم استمرار دعمها لحكومة بورتسودان، ستجد نفسها مضطرة للتعامل مع القرار الأمريكي باعتباره واقعاً دولياً جديداً يصعب تجاوزه.

أما على المستوى الدولي، فمن المرجح أن يتجه كل من الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي إلى تشديد الضغوط السياسية والاقتصادية على الحكومة القائمة في بورتسودان، خاصة في ظل الاتهامات المتزايدة بسيطرة الحركة الإسلامية على مفاصل السلطة، حتى وإن حاولت الحكومة إظهار بعض الوجوه من خارج الحركة في محاولة لتخفيف هذه الاتهامات.

وفي هذا الإطار تبدو محاولات الفريق البرهان المتكررة لنفي ارتباط الحركة الإسلامية بمؤسسات الدولة غير مقنعة، و فيها كثير و من الكذب و التضليل، إذ تشير الوقائع على الأرض إلى حضور واضح لعناصر الحركة داخل المؤسسات العسكرية والأمنية، إلى جانب نشاط المليشيات المرتبطة بها، وعلى رأسها كتائب البراء بن مالك. كما أن إعلان الناجي مصطفى وقوفه إلى جانب إيران يعكس تعقيد المشهد السياسي، رغم أن الخطاب الرسمي لبورتسودان لم يعلن انحيازه بشكل صريح.

إن تجنيب السودان تداعيات خطيرة لهذا القرار يتطلب قدراً كبيراً من الشجاعة السياسية والوضوح. فالمطلوب ليس مجرد الإنكار أو الاكتفاء بخطاب إعلامي دفاعي، بل اتخاذ خطوات عملية للبرهان تبدأ بإعلان حل الحركة الإسلامية، وإبعاد عناصرها عن المؤسسات العسكرية والأمنية، ونزع السلاح من التشكيلات المسلحة المرتبطة بها، إلى جانب محاسبة المتورطين في الجرائم والانتهاكات وفقاً للقانون.

ومن دون هذه الإجراءات قد يجد السودان نفسه أمام مرحلة جديدة من المواجهة الدولية والضغوط الاقتصادية، وهي مرحلة سيكون المواطن السوداني البسيط أول من يدفع ثمنها.

وأمام هذه التطورات يبقى الخيار المطروح أمام الشعب السوداني هو دعم المشروع الوطني الجديد الذي طرحته حكومة تاسيس،و الذي يقوم على تفكيك بنية الدولة التي احتكرت السلطة والثروة لعقود، والعمل على تأسيس دولة المواطنة المدنية القائمة على المساواة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، بعيداً عن هيمنة الأيديولوجيا أو احتكار السلطة باسم الدين أو العرق أو الجهة.

إرسال التعليق

لقد فاتك