مجدي محمد : الكتاب الثاني للثورة السودانية - الامتحان المكشوف (7) - صوت الوحدة

مجدي محمد : الكتاب الثاني للثورة السودانية – الامتحان المكشوف (7)

العدالة الانتقالية: بين سيف القصاص ومشرط التعافي

مشهد أول:

في ساحة خارجية مقابلة لقاعة مؤتمرات فخمة في عاصمة إقليمية، تقف أُمّ سودانية بملامح أنهكها الحزن. تحمل في يدها المرتجفة صورة باهتة لابنها الذي اختفى قسرياً في إحدى مجازر فض الاعتصامات أو حروب الهامش. في الداخل، وتحت أضواء الكاميرات الساطعة، يجلس قادة الفصائل المسلحة والجنرالات – الذين يحملون المسؤولية السياسية والميدانية عن اختفاء ابنها – يتبادلون الابتسامات ويوقعون “اتفاق سلام” جديداً. ينص الاتفاق صراحة على عفو شامل عن كل ما سبق، ويوزع مناصب سيادية على الجناة تحت ذريعة “حقن الدماء”. الأم في الخارج لا تبحث عن مقعد وزاري، ولا تطلب تعويضاً مالياً؛ هي تبحث فقط عن “إجابة” وقبر تزوره لتبكي فقيدها. هذا التناقض القاسي يفضح أكذوبة نخب المركز: السلام الذي يُبنى على تجاهل ألم الضحايا، ليس سوى استراحة قصيرة قبل المذبحة القادمة.

السؤال:
كيف نكسر دائرة الانتقام الدامية دون أن نسقط في فخ الإفلات من العقاب؟ هل العدالة الانتقالية مجرد مصطلح أكاديمي أنيق يُراد به تمرير قاعدة “عفا الله عما سلف”؟ وكيف يوازن “تحالف التأسيس” بين سيف القصاص الذي قد ينسف بقايا الدولة، ومشرط التعافي الذي يُطهر الجراح ويؤسس للسلام المستدام؟

أولاً: فخ العفو الشامل وسلام الإفلات من العقاب

على مدى عقود، استخدمت نخب “دولة 56” مصطلح “السلام” كغطاء قانوني وسياسي لحماية المجرمين وإعادة تدويرهم في السلطة. كل اتفاقيات السلام المتعاقبة التي وُقعت مع الحركات المسلحة أو بين أجنحة النظام الحاكم، كانت تتضمن بنداً ضمنياً أو صريحاً بالعفو الشامل. هذا العفو لم يكن نابعاً من تسامح مجتمعي، بل كان “رشوة متبادلة” بين جنرالات المركز وقادة الأطراف؛ نعفو عن جرائمكم في الهامش، لتعفوا عن احتكارنا للسلطة في الخرطوم.

هذا النهج الكليبتوقراطي حوّل العنف إلى استثمار سياسي رابح. عندما يغيب العقاب، يصبح القتل وتدمير القرى مجرد “أدوات تفاوضية” لتحسين شروط الشراكة في السلطة. لقد أثبت التاريخ السياسي السوداني أن الإفلات من العقاب لا يصنع سلاماً، بل يمنح الجناة حصانة دستورية لمواصلة الانتهاكات. المواطن العادي يدرك هذه المعادلة المحبطة؛ من يسرق هاتفاً يُسجن لسنوات، ومن يسرق أعمار الآلاف يُكافأ بحقيبة وزارية. هذا التناقض يدمر العقد الاجتماعي من جذوره، ويجعل من فكرة “الدولة” مجرد عصابة كبرى تحتكر العنف لحماية أعضائها.

ثالثاً: وهم القصاص الشامل والانتحار الوطني

في المقابل، يرتفع في أوساط الشباب والضحايا صوت غاضب ومفهوم يطالب بـ “المشانق للجميع” (العدالة الانتقامية المطلقة – Retributive Justice). هذا الغضب مشروع أخلاقياً، لكن تطبيقه حرفياً في دولة هشة وممزقة يمثل انتحاراً سياسياً. التمسك بشعار الإعدام للجميع في مجتمع مدجج بالسلاح يعني إعلان حرب إبادة شاملة وصفرية. عندما يدرك أمراء الحرب وقادة المليشيات أن نهاية التفاوض هي حبل المشنقة، فإنهم سيقاتلون حتى آخر جندي، وآخر مدينة، وآخر قطرة دم.

العدالة الانتقامية تعمل بكفاءة فقط عندما تنتصر الدولة نصراً عسكرياً ساحقاً وتُخضع المتمردين لسلطان القانون، أو عندما يسقط النظام سقوطاً مدوياً كما حدث في ألمانيا النازية. لكن في حالة التوازن العسكري الهش، وحروب المليشيات المتشعبة التي يعيشها السودان، يتحول القتال بالنسبة للجناة إلى “معركة بقاء شخصي”. المطالبة بالقصاص المطلق دون قراءة موازين القوى، قد تُرضي الضمير للحظات، لكنها تُطيل أمد الحرب لعقود، وتضاعف أعداد الضحايا الجدد بدلاً من إنصاف الضحايا القدامى.

ثالثاً: العدالة التصالحية كمسار ثالث ومشرط للتعافي

بين فخ الإفلات التام من العقاب، ووهم القصاص الشامل الذي ينسف الدولة، يبرز مسار ثالث عقلاني: العدالة التصالحية (Restorative Justice). هذا المسار ليس تنازلاً عن الدماء، بل هو تغيير لمركز الثقل. العدالة التصالحية لا تركز فقط على “كيف نعاقب الجاني؟”، بل تركز أساساً على “كيف نشفي الضحية والمجتمع؟”. هي مشرط جراح يهدف إلى استئصال المرض دون قتل المريض.

العدالة الانتقالية بمفهومها التصالحي لا تعني النسيان المطلق. بل تقوم على ثلاثة أعمدة لا تقبل المساومة: كشف الحقيقة الكاملة، جبر الضرر المادي والمعنوي للضحايا، والإصلاح المؤسسي الذي يمنع تكرار الجرائم. في هذا المسار، يتم تفكيك منظومة العنف (النهب المسلح والنهب المصلح) من جذورها، بدلاً من الاكتفاء بإعدام بضعة أفراد وترك الماكينة التي أنتجتهم تعمل بكفاءة. الهدف الأسمى هنا هو تفكيك المليشيات، واسترداد الأموال المنهوبة، وضمان عدم عودة المجرمين إلى كراسي اتخاذ القرار.

رابعاً: الحقيقة كشرط أولي وحتمي للغفران

أكبر خطيئة ترتكبها النخب السياسية هي مطالبة الضحايا بالتسامح المجاني من أجل “المصلحة الوطنية”. لا يمكن مسامحة من لا يعترف بجريمته، ولا يمكن التصالح مع من يختبئ خلف إنكار أفعاله. في علم النفس السياسي وعلاج الصدمة الجمعية، تعتبر “معرفة الحقيقة” هي الحد الأدنى لرد الكرامة الإنسانية للضحية. الضحية يحتاج أن يسمع جلاده يقول: “نعم، لقد فعلت ذلك، وأنا مخطئ”.

الحقيقة الكاملة (من أصدر أمر إطلاق النار؟ أين دُفنت الجثث؟ كيف نُفذت المجازر؟) هي حقوق غير قابلة للتفاوض. إخفاء هذه الحقائق بحجة “عدم فتح الجراح” هو بالضبط ما يسبب تقيحها. يجب أن يُدرك قادة “تحالف التأسيس” أن أي محاولة لعقد صفقات غرف مغلقة لتجاوز المساءلة، ستُقابل بانفجار شعبي جديد. الغفران قرار فردي يملكه الضحية وحده، ولا تملكه الأحزاب السياسية. والدولة لا تملك حق العفو عن جرائم الدم، لكنها تملك هندسة آليات قانونية تجبر المجرم على الاعتراف كشرط لتخفيف عقوبته.

خامساً: الدرس المقارن: كولومبيا ومحاكم السلام (JEP)

إذا أردنا تطبيقاً عملياً لهذه المعادلة المعقدة، فإن تجربة كولومبيا في إنهاء أطول حرب أهلية في أمريكا اللاتينية (مع حركة فارك) تقدم درساً مذهلاً. أنشأت كولومبيا آلية قضائية فريدة تُعرف بـ “الولاية القضائية الخاصة للسلام” (JEP). تعمل هذه المحاكم وفق مبدأ المقايضة الذكية: الحقيقة الكاملة مقابل تخفيف العقوبة.

في النموذج الكولومبي، يتم استدعاء قادة المليشيات والجنرالات أمام القضاة والضحايا. من يقرر الاعتراف بالحقيقة كاملة، ويسلم سلاحه، ويُرجع عائدات جرائمه (أموال المخدرات والنهب)، ويعتذر للضحايا علناً، يحصل على أحكام بديلة مقيدة للحرية (مثل الإقامة الجبرية لسنوات مع العمل الشاق في تنمية القرى التي دمرها). والأهم من ذلك: يتم عزله سياسياً مدى الحياة. أما من يكذب، أو يرفض الاعتراف وتُثبت عليه التهمة بالأدلة، فإنه يُحال فوراً إلى القضاء الجنائي العادي ليواجه عقوبة السجن المشدد (تصل لـ 20 عاماً). هذا النموذج العبقري حقق هدفين في آن واحد: فكك المليشيات المسلحة دون حرب صفرية، ولم يتنازل عن حق الضحايا في معرفة الحقيقة وتجريد الجناة من قوتهم السياسية والاقتصادية.

الحقيقة قبل المشنقة

في إحدى ندوات لجان المقاومة في الأحياء الشعبية، وقف أبٌ فَقَدَ ابنه في مجازر فض الاعتصامات. كان يتحدث بدارجة سودانية تقطر حكمة تفوق تنظير النخب. قال بمرارة ووضوح: “نحن ما دايرين دم بدم عشان البلد ما تخرب وتتحرق زيادة.. لكن دايرين القاتل يقيف قدام الناس في التلفزيون ويقول أنا كتلت ليه، ومين القال ليهو أكتل.. ويفوت يخلي لينا البلد دي نبنيها، وما يمسك فيها منصب تاني”.

هذا الصوت الشعبي العميق يثبت أن الضحايا يمتلكون وعياً متقدماً بالعدالة التصالحية يتجاوز دموية بعض السياسيين. الأب لا يطلب الانتقام الأعمى الذي يحرق العاصمة، لكنه يرفض في الوقت ذاته التنازل عن الحقيقة وعن إبعاد القاتل من المشهد. هو يطلب “العدالة السياسية والمعنوية”: الاعتراف العلني، الإجابة على الأسئلة المعلقة، والعزل الأبدي للجاني. هذا الوعي يمثل أرضية صلبة لبناء نموذج سوداني للعدالة الانتقالية.

المقترح العملي مفوضية الحقيقة والمصارحة القومية

لإنزال هذه الرؤية إلى أرض الواقع، يجب الخروج من عباءة القضاء التقليدي وتأسيس أجهزة عدلية استثنائية.

الإجراء: إقرار قانون للعدالة الانتقالية يربط أي استحقاق لتخفيف الأحكام القضائية أو استبدالها بـ “الاعتراف العلني الكامل”، تسليم كافة الموارد العسكرية والمالية المنهوبة، والخضوع الفوري لـ “العزل السياسي والنقابي الأبدي”. (المقايضة هي: العفو عن الرقبة مقابل الإعدام السياسي والاقتصادي).
المؤسسة: تأسيس “مفوضية الحقيقة والمصارحة القومية” وربطها بـ “دوائر قضائية خاصة للسلام” مستقلة تماماً عن الأجهزة الأمنية والنظام القضائي القديم الموروث من دولة 56.
معيار النجاح: تفكيك المؤسسات الأمنية والمليشياوية التي أصدرت أوامر القتل، وعقد جلسات استماع علنية تُبث على التلفزيون القومي، يقف فيها الجناة وجهاً لوجه أمام الضحايا للاعتراف وطلب الصفح، مع التطبيق الصارم للعزل السياسي لأي قيادي يثبت تورطه.
القاعدة الملزمة

العدالة التي تساوم على دماء الضحايا لشراء السلام، تشتري حرباً مؤجلة ومزيداً من الدماء.

إرسال التعليق

لقد فاتك