مجدي محمد : الكتاب الثاني للثورة السودانية – الامتحان المكشوف (5)
علم نفس القائد الثوري: بين الشهادة والإدمان
مشهد أول :
قبل عشر سنوات، كان يجلس في خندق طيني رطب على أطراف جبل مرة، يتقاسم كسرة خبز يابسة مع جنوده الشباب. لم يكن بينهم فرق كبير: نفس الملابس المتربة، نفس الخطر، ونفس الإيمان بأن العدالة تستحق التضحية. كان القائد يومها مستعداً بصدق لتلقي رصاصة في صدره فداءً لقضية يؤمن بها، وكانت خطبه عن الحرية والكرامة تُبكي الجنود قبل أن تُبكي الجماهير.
ثم يجلس القائد نفسه في قصر رئاسي فاره في قلب الخرطوم. هواء بارد ينساب من أجهزة التكييف، وسجاد فاخر يمتص وقع خطوات الحراس. يمسك بقلم ذهبي أنيق، ويوقّع ببرود على قرار اعتقال رفاق الخندق أنفسهم بتهمة “التآمر وزعزعة الاستقرار”.
ذنبهم الوحيد أنهم سألوه، في اجتماع مغلق، سؤالاً بسيطاً:
كيف تضخمت ثروتك بهذه السرعة؟ ولماذا ما زالت معسكرات النازحين كما هي؟
المشهد يبدو للوهلة الأولى صادماً أو غير مفهوم. كيف يتحول مناضل مستعد للموت من أجل شعبه إلى حاكم مستعد للتضحية بشعبه من أجل بقائه في السلطة؟
الإجابة ليست أخلاقية فقط، بل علمية أيضاً. فالقائد لم يرتد قناعاً جديداً فجأة، بل خضع لعملية جراحية غير مرئية في وعيه السياسي. عملية استُؤصل فيها جزء من إنسانيته تدريجياً، وزُرع مكانه شعور جديد: شعور الامتلاك.
السؤال الحقيقي إذن ليس: لماذا فسد هذا القائد؟
بل: ما الذي تفعله السلطة بعقل الإنسان عندما تبقى بلا رقابة؟
والأهم من ذلك:
كيف يمكن لقادة تحالف تأسيس السودان الجديد أن يتجنبوا هذا المصير؟
أولاً: كيمياء السلطة – عندما يصبح الحكم إدماناً
في التحليل السياسي التقليدي، تُفهم السلطة باعتبارها موقعاً إدارياً أو مسؤولية سياسية. لكن علم النفس السياسي يقدم تفسيراً مختلفاً تماماً: السلطة تجربة بيولوجية عميقة.
عندما يمتلك الإنسان القدرة على إصدار الأوامر والتحكم في مصائر الآخرين، يبدأ الدماغ في إفراز كميات كبيرة من الدوبامين، وهو الهرمون المرتبط بالإحساس بالمكافأة واللذة.
هذه العملية تشبه ما يحدث مع المقامرين أو مدمني المخدرات. فالإحساس بالسيطرة يصبح مكافأة نفسية قوية، ومع مرور الوقت يبدأ الدماغ في طلب جرعات أكبر منها.
الطبيب والسياسي البريطاني David Owen أطلق على هذه الظاهرة اسم متلازمة الغطرسة Hubris Syndrome . وفقاً لأبحاثه، فإن البقاء في السلطة لفترات طويلة يؤدي إلى تغيرات سلوكية واضحة: تضخم الثقة بالنفس، احتقار النصيحة، والشعور بأن القائد يمتلك حكمة أعلى من الجميع.
الأخطر من ذلك أن بعض الدراسات تشير إلى تراجع نشاط مناطق التعاطف في الدماغ لدى الأشخاص الذين يمارسون السلطة المطلقة لفترات طويلة. ومع الزمن يبدأ القائد في فقدان القدرة الطبيعية على الشعور بمعاناة الآخرين.
عند هذه النقطة يحدث التحول العميق:
لم يعد المواطن في نظر الحاكم إنساناً ذا كرامة، بل يصبح رقماً في معادلة السلطة.
ولهذا يمكن لقائد ثوري سابق أن يوقع على قرار قصف قرية كان يوماً ما واحداً من أبنائها. في تلك اللحظة لم يعد يرى الوجوه، بل يرى فقط تهديداً سياسياً يجب إزالته.
ثانياً: عقدة المخلّص – عندما يتحول النضال إلى فاتورة
الانتقال من التضحية إلى الاستبداد لا يحدث عادة عبر قرار واعٍ. بل يحدث عبر تبرير نفسي تدريجي.
القائد الذي قضى سنوات في الجبال أو السجون يطور شعوراً عميقاً بأنه دفع ثمناً شخصياً باهظاً من أجل الوطن. هذا الشعور طبيعي في البداية، لكنه قد يتحول مع الوقت إلى قناعة خطيرة: قناعة الاستحقاق.
عند هذه النقطة يبدأ القائد في رؤية الدولة بطريقة مختلفة. لم تعد الموارد العامة في نظره أموال الشعب، بل تعويضاً مستحقاً عن سنوات الحرمان.
هذه الظاهرة تُعرف في علم النفس السياسي باسم عقدة المخلّص.
فالقائد يرى نفسه صاحب الفضل في إنقاذ الأمة، وبالتالي يعتقد أن له حقاً خاصاً في الاستفادة من الدولة التي ساهم في بنائها.
لهذا السبب كثيراً ما نرى قادة ثوريين يتحولون بعد وصولهم إلى السلطة إلى طبقة ثرية خلال سنوات قليلة. هم لا يشعرون بأنهم يسرقون، لأنهم في وعيهم الداخلي يستردون “حقاً تاريخياً”.
في هذه اللحظة يتحول الوطن في ذهن القائد إلى شركة مساهمة، ويصبح هو المساهم الأكبر فيها بحكم تاريخه النضالي.
ثالثاً: غرفة الصدى – كيف يُعزل القائد عن الحقيقة
لكن أخطر ما يحدث للقائد الثوري بعد وصوله إلى الحكم ليس الفساد المالي، بل العزلة السياسية.
الدولة القديمة لا تحارب القائد الجديد دائماً بالقوة. أحياناً تستخدم أسلوباً أكثر ذكاءً: الاحتواء.
يتم إحاطة القائد بحاشية من الموظفين والمستشارين والمنتفعين الذين تصبح مهمتهم الأساسية التحكم في المعلومات التي تصل إليه.
هذا ما يُعرف في علم السياسة باسم غرفة الصدى.
داخل هذه الغرفة يسمع القائد صوتاً واحداً فقط: صوت المديح.
كل تقرير يؤكد أن الأمور ممتازة.
كل خطاب يشير إلى شعبيته الجارفة.
وكل نقد يُفسَّر باعتباره مؤامرة.
في هذه الغرفة المغلقة، لا يسمع القائد سوى التصفيق. يُخبرونه يومياً بأنه عبقري، وأن الجماهير تعشقه، وأن أي نقد يوجه له هو “مؤامرة خارجية”. هذه العزلة تصيبه بالبارانويا (جنون الارتياب). يبدأ في تخوين رفاقه القدامى الذين يجرؤون على قول الحقيقة، ويستبدلهم بـ “الفلنقايات” الجدد الذين يطيعون بلا تفكير. المؤسسة هنا تنجح في تحييد خطر القائد الثوري دون إطلاق رصاصة واحدة؛ لقد حولته إلى سجين داخل قصره، يعتمد كلياً على عيون المركز وآذانه ليرى العالم.
هنا تبدأ الكارثة الحقيقية.
فالقائد الذي لا يسمع إلا التصفيق يفقد القدرة على رؤية الواقع ويصاب بالجنون.
ولهذا السبب تحديداً يجب على قادة تحالف التأسيس في السودان الجديد أن يحذروا ألف مرة من أولئك الذين يقفون بين القيادة والشعب حاملين التقارير المريحة التي تبدأ وتنتهي بعبارة: “كلو تمام يا ريس”.
هذه العبارة الصغيرة كانت عبر تاريخ السودان أحد أخطر أدوات تضليل الحكام. فهي تبني حول القائد جداراً سميكاً من الوهم، وتمنعه من رؤية الغضب المتصاعد في الشارع.
الدولة الجديدة لا يمكن أن تُدار بهذه الطريقة.
بل يجب أن تُبنى على مبدأ بسيط:
القائد يجب أن يسمع صوت المواطن مباشرة، لا عبر وسطاء يخشون الحقيقة.
كل مواطن يجب أن يمتلك الحق في إيصال شكواه أو فكرته أو اقتراحه إلى القيادة دون خوف من سرقة فكرته أو معاقبته بسبب رأيه. أو خوف من أن فكرته ستضيع بين بيروقراطية ومراكز قوى حول القائد.
فالقائد في السودان الجديد لا يمثل قبيلة ولا حزباً ولا ديناً.
القائد في السودان الجديد هو وكيل مؤقت لإرادة شعب كامل.
رابعاً: التحالف مع المركز – لحظة الخيانة الصامتة
مع مرور الوقت يكتشف بعض القادة الثوريين حقيقة سياسية مزعجة: القواعد الشعبية التي حملتهم إلى السلطة ليست سهلة الإرضاء.
النازحون يريدون العودة إلى قراهم.
المزارعون والرعاة يريدون طرقاً وأسواقاً.
الشباب يريدون وظائف وتعليماً.
هذه المطالب مكلفة، وتحتاج إلى إصلاحات عميقة.
في المقابل، تقدم نخب المركز عرضاً أبسط بكثير:
استمرار الامتيازات مقابل الاستقرار السياسي.
وهنا يحدث التحول الأخطر.
يبدأ القائد تدريجياً في استبدال تحالفه مع المهمشين بتحالف مع النخب الاقتصادية والعسكرية.
تصبح مهمته حماية النظام القائم بدلاً من تغييره.
وهكذا يتحول القائد الذي جاء ليمثل الأطراف في الخرطوم إلى حارس لمصالح الخرطوم في الأطراف.
هذه ليست خيانة أخلاقية فقط، بل أيضاً نتيجة منطقية لمنظومة السلطة عندما تغيب الرقابة الشعبية.
خامساً: الدرس الأفريقي – بين موغابي ومانديلا
التاريخ الأفريقي يقدم مثالين متناقضين لهذه الظاهرة.
الأول هو تجربة Robert Mugabe في Zimbabwe.
موغابي كان قائداً ثورياً حقيقياً قاد حرب تحرير ضد الاستعمار الأبيض. لكن غياب المؤسسات الرقابية سمح للسلطة بأن تتحول إلى حكم شخصي استمر لعقود، وانتهى بانهيار اقتصادي وسياسي عميق.
في المقابل يقدم Nelson Mandela في South Africa نموذجاً مختلفاً تماماً.
خرج مانديلا من السجن بشرعية أخلاقية هائلة، لكنه أدرك أن أخطر ما يهدد الثورات هو عبادة القائد.
لذلك قرر أن يحكم لفترة واحدة فقط، ثم يتنحى طوعاً.
لم يكن ذلك تواضعاً شخصياً فقط، بل قراراً استراتيجياً لحماية الدولة من شخصنة السلطة.
الدرس للسودان واضح:
الثورات لا تحمي نفسها بالبطولات، بل بالمؤسسات.
طين المواكب
في أطراف مدينة الفاشر تجلس امرأة عجوز تُدعى “حاجة مريم” أمام قطيتها المصنوعة من القش.
هذه المرأة كانت قبل سنوات تخاطر بحياتها لتخبئ قادة الحركات المسلحة في بيتها، وتقاسمهم طعام أطفالها القليل.
اليوم تقول بحزن:
“زمان كانوا بينوموا في واطتنا دي…
حسي عرباتهم المظللة بتطير الطين في وشنا.”
السيارات المظللة التي تمر بسرعة ليست مجرد رمز للسلطة. إنها أيضاً جدار متحرك يفصل القائد عن الناس الذين صنعوا شرعيته.
وطين الطريق الذي يتناثر على وجه حاجة مريم هو الثمن الحقيقي لتحول الثورة إلى سلطة.
المقترح التأسيسي
العلاج الحقيقي لهذه الظاهرة لا يكون أخلاقياً فقط، بل مؤسسياً.
فرض حدود زمنية صارمة لتولي المناصب القيادية داخل الأحزاب والحركات المسلحة.
إنشاء مفوضية مستقلة للديمقراطية الداخلية تشرف على الانتخابات داخل التنظيمات السياسية.
سحب الاعتراف السياسي من أي تنظيم يرفض التداول القيادي.
القاعدة الملزمة
القائد الذي لا يُجهّز خليفته منذ اليوم الأول…
لا يبني وطناً، بل يؤسس مزرعة.



إرسال التعليق