مليح يعقوب : الثروة الحيوانية في السودان: من “الكنز المنسي” إلى محرقة الحرب.. رؤية للإنقاذ والتعافي التقني
المقدمة: المورد المذبوح في خضم الأزمة
يُعد قطاع الثروة الحيوانية في السودان الركيزة الأساسية للأمن الغذائي والقومي، إلا أنه يواجه اليوم جملة من الأزمات المركبة التي تراكمت عبر العقود، وصولاً إلى “الضربة القاصمة” التي وجهتها الحرب الدائرة حالياً. إن بيئة العمل الرعوي لم تعد تعاني فقط من التغيرات المناخية والتقاليد الإنتاجية البالية، بل أصبحت مسرحاً لعمليات عسكرية أعادت تشكيل خارطة النزوح الحيواني، مما جعل هذا المورد العظيم عُرضة للتلاشي بدلاً من أن يكون قاطرة للنمو الاقتصادي.
جذور الأزمة: بين مطرقة الجباية وسندان الإهمال
رغم تمتع السودان بمكانة متقدمة عالمياً من حيث الكم والنوع، إلا أن “الذهنية الإدارية” ظلت قاصرة عن استيعاب التحولات المجتمعية. فالمفاهيم المرتبطة بـ (البقارة، الأبالة، والرحل) لا تزال تُفهم في إطارها التقليدي الضيق دون تطويرها لتصبح مؤسسات إنتاجية حديثة.
لقد برعت الدولة، عبر الحقب المختلفة، في فنون “الجباية” من زكاة وضرائب ورسوم عبور، بينما تقاعست عن تقديم الحد الأدنى من الخدمات البيطرية، وحماية المسارات والمراحيل، وتوفير الأمصال واللقاحات. هذا الخلل البنيوي أدى إلى تصادم مستمر بين المزارع والرعوي، تذكي نيرانه النزاعات الأهلية التي أكلت الأخضر واليابس.
تبديد القيمة المضافة: نزيف المادة الخام
يعاني السودان من تبعية اقتصادية مؤلمة؛ إذ لا نزال نصدر “المادة الخام” والماشية الحية، لتجني الشركات الأجنبية الأرباح الطائلة من القيمة المضافة. إن الفشل في توطين صناعات اللحوم، والجلود، والألبان، ومشتقاتها من أسمدة وصوف، جعل المواطن السوداني يعاني من غلاء الأسعار رغم وفرة القطعان. كما أن تكدس الشركات والمصانع في مدينة الخرطوم بعيداً عن مراكز الإنتاج كان خطأً استراتيجياً كشفته الحرب الحالية بوضوح بعد توقف سلاسل الإمداد المركزية.
تداعيات الحرب الدائرة: الكارثة والتحول
إن الحرب الحالية (حرب 15 أبريل) لم تدمر البنية التحتية فحسب، بل أحدثت زلزالاً في مستقبل الثروة الحيوانية عبر:
الانهيار الصحي: توقف المعامل البيطرية المركزية مما جعل القطيع القومي مكشوفاً أمام الأوبئة العابرة للحدود.
نهب الموارد: تعرضت الماشية لعمليات نهب واسعة كجزء من اقتصاديات الحرب وظهر ذلك جليا من خلال عمليات النهب الممنهجه والانتقائية التي يمارسها الجيش السوداني والمليشيات المتحالفة معه ضد قطعان البقارة في كردفان، بالاضافة الي استهداف الثروة الحيوانية بالمسيرات والطيران بذريعة انها مملوكة لحواضن تاسيس في كلا من كردفان ودارفور ومع انقطاع كامل لطرق الصادر الرئيسية.
التدمير البيئي: ازدهار تجارة الفحم والحطب نتيجة انعدام الوقود، مما أدى لإزالة الغابات وتقلص مساحات الرعي الطبيعي بشكل مخيف.
خارطة الإنقاذ: نحو ثورة تقنية وسيادية
إن العبور بهذا القطاع إلى بر الأمان يتطلب “مصفوفة إنقاذ” تتجاوز الحلول التقليدية، وتتركز في المحاور التالية:
اللامركزية الصحية: إنشاء “معامل حاوية” (Mobile Labs) متنقلة في ولايات الإنتاج (كردفان، دارفور، النيل الأبيض) لضمان التشخيص والتحصين الفوري بعيداً عن استهداف المركز.
الرعي الرقمي : تزويد القطعان بشرائح تتبع (GPS) لمراقبة حركتها في المسارات الآمنة، واستخدام صور الأقمار الصناعية لتوجيه الرعاة نحو الوفرة العشبية والمائية.
توطين الصناعات التحويلية: بناء مسالخ ومدابغ حديثة في “قلب مناطق الإنتاج” (نيالا، الفولة، النهود، الابيض، كوستي) لضمان التصدير المباشر وتحقيق الاكتفاء الذاتي المحلي.
الإصلاح المالي والشمول: تحويل نظام الجبايات إلى “صناديق ائتمان وتأمين” تحمي المنتج الصغير من صدمات الحرب والجفاف، وتدعم استقراره المجتمعي.
الخاتمة
إن الثروة الحيوانية هي “الذهب الحي” الذي يمتلكه السودان، وإنقاذها من الانهيار معركة “بقاء وطني”. يجب أن ننتقل من (دولة الجباية المنهكة) إلى (دولة الرعاية التقنية المنتجة). إن مستقبل السودان الاقتصادي يبدأ من حماية هذا القطاع وتطويره بالعلم والتكنولوجيا، ليكون قاطرة السلام والتعافي في المرحلة القادمة.



إرسال التعليق