آدم أديب: قداسة الدين وحدود السلطة : حين تتحول السياسة إلى وصيّ على الإيمان
مقدمة
الدين في أصله خطاب هداية يخاطب ضمير الإنسان، ويستند إلى الحرية الأخلاقية في الاختيار. أما السلطة فهي نظام لإدارة المجتمع يقوم على القانون وموازين المصالح.
غير أن التاريخ السياسي في مجتمعاتنا شهد لحظات جرى فيها تجاوز هذا التوازن، حين لم تكتف السلطة بالاحتماء بالدين، بل سعت إلى الحديث باسمه واحتكار تفسيره.
وهنا يبدأ الخلط الخطير: حين تتحول السياسة من مجال إدارة الشأن العام إلى وصيّ على الإيمان نفسه.
أولًا: الدين كمرجعية أخلاقية لا كجهاز حكم
الدين يمنح المجتمع منظومة قيم عليا: العدل، والرحمة، وصيانة الكرامة الإنسانية.
لكن هذه القيم ليست برنامجًا تفصيليًا لإدارة الدولة، ولا دليلًا إجرائيًا لإدارة الاقتصاد أو الجيش أو المؤسسات.
وظيفة الدين في المجال العام هي تقويم الضمير الجمعي، لا احتكار القرار السياسي.
وحين يتحول الدين إلى جهاز حكم مباشر، تتعرض رسالته الأخلاقية لخطرين كبيرين:
- تحميله مسؤولية أخطاء السياسة.
- استخدامه لتبرير قرارات بشرية قابلة للنقد والمراجعة.
ثانيًا: السلطة حين تتحدث باسم السماء
أخطر ما يمكن أن يحدث في العلاقة بين الدين والسلطة هو أن تبدأ السلطة في تقديم نفسها بوصفها الممثل الحصري للدين.
في هذه اللحظة يتحول الخلاف السياسي الطبيعي إلى ما يشبه الخروج على العقيدة.
وهكذا تضيق مساحات النقد، ويصبح الاعتراض على القرار السياسي وكأنه اعتراض على الدين ذاته.
لكن هذا الخلط لا يحمي الدين، بل يزج به في معارك السلطة اليومية، ويعرضه لتقلبات السياسة وصراعاتها.
ثالثًا: بين النص الديني والتأويل السياسي
النصوص الدينية بطبيعتها مفتوحة للاجتهاد، وقد عرف التاريخ الإسلامي مدارس متعددة في فهمها وتأويلها.
غير أن دخول السلطة إلى هذا المجال يؤدي غالبًا إلى نتيجتين واضحتين:
- اختيار التأويل الذي يخدم السلطة السياسية.
- تهميش أو إقصاء التأويلات الأخرى.
وهنا يفقد الاجتهاد حيويته، ويتحول الدين من فضاء فكري واسع إلى خطاب رسمي واحد.
رابعًا: أثر تسييس الدين على المجتمع
حين يتحول الدين إلى أداة في الصراع السياسي، فإن المجتمع هو الذي يدفع الثمن الأكبر.
فبدل أن يكون الخلاف بين برامج وسياسات، يتحول إلى خلاف حول الشرعية الأخلاقية ذاتها.
وهكذا يصبح الخلاف السياسي:
- خلافًا بين مؤمنين وخارجين،
- لا بين اجتهادات بشرية مختلفة.
وهذا النوع من الانقسام من أخطر الانقسامات، لأنه يمزق المجتمع في عمقه القيمي ويغلق أبواب الحوار.
خامسًا: حماية الدين من السلطة
المفارقة أن حماية الدين في المجال العام لا تتحقق بدمجه الكامل في السلطة، بل بالحفاظ على مسافة نقدية بينهما.
فالدين حين يبقى فوق الصراع السياسي يستطيع أن يؤدي دوره الحقيقي:
- نصرة المظلوم
- قول كلمة الحق
- تقويم السلطة أخلاقيًا
أما حين يصبح جزءًا من جهاز الحكم، فإنه يفقد استقلاله، ويصبح عرضة للاتهام كلما أخفقت التجربة السياسية.
خاتمة
إن العلاقة الصحية بين الدين والسلطة ليست علاقة اندماج كامل، ولا علاقة قطيعة تامة.
بل علاقة توازن دقيق:
- الدين يوجّه القيم.
- السياسة تدير المصالح.
وحين يحاول أحد المجالين ابتلاع الآخر، يختل الميزان.
فالسلطة بطبيعتها مؤقتة، أما الدين فباقٍ في وجدان الناس.
ولهذا فإن أعظم ما يمكن أن نقدمه للدين في المجال العام هو أن نحفظ له مكانته الأخلاقية فوق صراعات السلطة



إرسال التعليق