مجدي محمد : الكتاب الثاني للثورة السودانية: الامتحان المكشوف (3) - صوت الوحدة

مجدي محمد : الكتاب الثاني للثورة السودانية: الامتحان المكشوف (3)

لماذا يرفض نخب المركز الفيدرالية؟

مدخل أول:
في ظهيرة يوم قائظ من أيام الصيف في ولاية نهر النيل، كان “عثمان” يمسح العرق الممزوج بغبار الذهب والسيانيد السام عن وجهه المنهك. حوله، مئات الشباب يحفرون الأرض العطشى بحثاً عن بريق يغيّر حياتهم، في منطقة لا توجد بها مستشفى واحدة مجهزة أو شبكة مياه نقية. في اللحظة ذاتها، وعلى بعد مئات الكيلومترات في قلب الخرطوم، كان مسؤولون أنيقون يجلسون في قاعة مكيفة تابعة لمؤسسات دولة 56، يوقعون عقود تصدير أطنان الذهب المستخرج من تحت أقدام عثمان. تُحوّل العوائد فوراً إلى حسابات بنكية مغلقة تديرها منظومة النهب المصلح، بينما يعود عثمان إلى خيمته الممزقة ليسعل طوال الليل. المشهد لا يحتاج إلى شرح؛ من يملك الأرض يبتلع غبارها، ومن يملك المركز يبتلع ثروتها.

السؤال: لماذا ترفض نخب المركز الفيدرالية وتفضل عوضا عنها حروب الإبادة الجماعية؟ وكيف ننتزع المركزية القابضة دون أن نمزق البلاد؟ وكيف تُترجَم الفيدرالية من مجرد شعار سياسي يُرفع في المفاوضات، إلى هيكل دولة حقيقي يضمن مشروع المواطنة الكاملة؟ هل الأزمة في السودان تكمن فعلاً في رسم حدود الأقاليم، أم في تحديد الجهة التي تملك مفاتيح الخزينة؟

أولاً: فزاعة الانفصال وحراسة المركزية التاريخية

تستخدم نخب المركز تكتيكاً نفسياً قديماً وفعالاً لقتل أي مشروع حقيقي لتقاسم السلطة: التخويف المستمر من تمزق السودان. كلما ارتفع صوت الأطراف مطالباً بحقه في إدارة موارده المحلية، تُشهر الخرطوم فزاعة الانفصال والتشظي. هذا التخويف ليس وليد صراعات اليوم، بل هو عقيدة مؤسسية موروثة. بالعودة إلى وقائع مؤتمر جوبا عام 1947، نجد أن التأسيس الأول لهيكلية الدولة السودانية قام على احتكار القرار في المركز النيلي، وتم تبرير هذا الاحتكار ذريعة الحفاظ على وحدة البلاد المترامية الأطراف.

الوحدة التي تتحدث عنها هذه النخب ليست سوى غطاء سياسي متين لضمان استمرار تدفق الثروات من الأطراف الغنية بالموارد إلى المركز المستهلك. الفيدرالية الحقيقية في نظر هذه النخب تعني ببساطة تفكيك منظومة النهب المصلح التي تعتاش عليها جيلاً بعد جيل. لذلك، تعمدت الأجهزة الدعائية شيطنة كل مطالبة بلامركزية القرار المالي، وتصويرها كخيانة وطنية أو مؤامرة أجنبية. يتم استغلال الصدمة الجمعية الناتجة عن انفصال جنوب السودان لإرهاب العقل السوداني وتكبيله. يُطلب من المواطن في الهامش أن يقبل باستمرار استنزاف موارده صمتاً، فقط لكي يثبت وطنيته وحرصه على الخريطة.

لكن القراءة التحليلية الباردة للواقع تثبت العكس تماماً. المركزية القابضة هي التي مزقت السودان فعلياً، وليس المطالبة بالفيدرالية. عندما تحتكر العاصمة حق توقيع العقود، وتوزيع التنمية، وتعيين حراس الأمن، يصبح التمرد وحمل السلاح هو الخيار العقلاني الوحيد أمام الأطراف للتنفس. الفيدرالية لا تعني رسم حدود جغرافية جديدة تفرق بين الناس. الفيدرالية هي إعادة صياغة جذرية لمعادلة القوة؛ تسحب السلطة الاقتصادية من يد أقلية بيروقراطية وتعيدها إلى أصحاب الأرض المنتجين.

ثانياً: الفيدرالية الإدارية كخدعة مؤسسية

للتهرب من استحقاقات التقاسم العادل للثروة، جرب نخب المركز على مدى عقود حيلة تقسيم أقاليمه الكبرى إلى عشرات الولايات الصغيرة. تم الترويج لهذا التقسيم الإداري على أنه تطبيق حقيقي للامركزية. لكن التحليل المؤسسي يكشف أن هذا التقسيم كان مجرد خدعة لامتصاص الغضب وتفتيت الكتل الإقليمية الكبرى. لم تُنقل السلطة الحقيقية إلى المجتمعات المحلية، بل تم استنساخ مناصب شرفية (ولاة، وزراء ولائيين، ومعتمدين) لإرضاء وشراء نخب محلية محدودة التفكير.

وفقاً لعالم السياسة Arend Lijphart في أطروحاته المرجعية حول الديمقراطية التوافقية وتقاسم السلطة، فإن الفيدرالية التي تفتقر إلى الاستقلال المالي (Fiscal Federalism) هي مجرد امتداد إداري مشوه للمركز. عندما تعتمد ولاية منتجة للزراعة أو التعدين في تسيير مستشفياتها ومدارسها على التحويلات المالية الشهرية التي تقررها وزارة المالية في الخرطوم، يصبح الوالي الفيدرالي مجرد موظف تحصيل. هذا الوالي يخدم من يملك الخزينة في العاصمة، ولا يخدم من يسكن الولاية التي يحكمها.

هذا الهيكل المالي المشوه سمح لـ دولة 56 بتمديد أذرعها والتحكم في الأطراف عن بُعد، من خلال التحكم في صنبور التمويل. لقد تم تطبيق “لامركزية الفساد” عبر توزيع المناصب والمواكب، بدلاً من “لامركزية القرار والموارد”. هكذا، احتفظت العاصمة بصلاحية توقيع عقود الاستثمار القومية الكبرى، وجني الضرائب السيادية، بينما تُركت الأطراف ومجالسها التشريعية الصورية تتصارع على فتات الميزانيات المخصصة للخدمات الأساسية، مما غذى النزاعات القبلية حول هذه الموارد الشحيحة كجزء من آليات الهندسة الاجتماعية.

ثالثاً: الدرس المقارن: بين لعنة نيجيريا ونجاح سويسرا

لفهم كيف يمكن للفيدرالية أن تتحول إلى نقمة أو نعمة، يجب أن نقرأ تجارب الدول المقارنة بدقة. تقدم نيجيريا درساً قاسياً حول فشل “الفيدرالية المشوهة” في غياب الشفافية وحقوق الموارد. نيجيريا دولة فيدرالية تمتلك ثروة نفطية هائلة تتركز أساساً في منطقة “دلتا النيجر”. نظرياً، النظام فيدرالي، لكن الدستور النيجيري منح الحكومة المركزية في العاصمة (أبوجا) حق السيطرة الحصرية على استخراج النفط وتوزيع عوائده.

النتيجة كانت كارثية. تحولت العاصمة إلى مركز لتكديس الثروات وبناء الإمبراطوريات المالية للنخب السياسية والعسكرية (النهب المصلح)، بينما غرق سكان دلتا النيجر – أصحاب الأرض – في فقر مدقع وتلوث بيئي دمر زراعتهم وأسماكهم. أدى هذا التفاوت المريع إلى نشوء حركات تمرد مسلحة في الدلتا تقوم بتخريب الأنابيب واختطاف العمال (النهب المسلح). تجربة نيجيريا تثبت أن الفيدرالية السياسية بلا فيدرالية مالية تجعل من المركز آلة شفط استعمارية داخلية، وتدفع الأطراف حتماً نحو العنف.

في المقابل تماماً، يقدم النموذج السويسري الدرس العملي المعاكس. سويسرا تتكون من 26 مقاطعة (كانتونات) تتمتع باستقلال مالي حقيقي وصارم. لم تُبنَ هذه الكانتونات على تفوق عرقي، بل على الإدارة الجغرافية اللامركزية وتطبيق الديمقراطية التشاركية للموارد. في سويسرا، يدفع المواطن الضرائب لكانتونه المحلي أولاً لتمويل خدماته المباشرة، ثم يتم تحويل نسبة محددة ومتفق عليها إلى الحكومة الفيدرالية في العاصمة لتسيير مهام الدفاع والخارجية والسياسات الكلية. الدرس السويسري واضح وصارم: الاستقرار المستدام يولد من تقاسم الثروة وإدارتها من الأسفل إلى الأعلى. الفيدرالية الناجحة هي معادلة اقتصادية مستقلة تقلب الهرم المالي، وليست مجرد خطوط إدارية تُرسم لترضية النخب.

رابعاً: خطيئة النخب المسلحة وإجهاض الفيدرالية

في السياق السوداني، تتحمل النخب التي قادت الحركات المسلحة جزءاً أصيلاً من مسؤولية إجهاض مشروع الفيدرالية الحقيقي. تاريخياً، انطلقت هذه الحركات من الأطراف رافعة شعارات التهميش والمطالبة بالقسمة العادلة للثروة والسلطة. لكن عند الوصول إلى طاولات التفاوض، سقطت هذه الحركات باستمرار في فخ المحاصصة الوظيفية بدلاً من التمسك بالبناء المؤسسي للفيدرالية المالية.

كل اتفاقيات السلام المتعاقبة، من أبوجا إلى الدوحة وصولاً إلى جوبا، انتهت بآلية واحدة: توزيع مقاعد وزارية ومناصب سيادية في الخرطوم على قادة الحركات. هذا التنازل البنيوي حوّل القضية من تحرير الأقاليم وإعادة هندسة اقتصادها، إلى مجرد البحث عن حصة شخصية للقائد داخل منظومة النهب المصلح. القادة الذين طالبوا بالفيدرالية في الغابات، قبلوا بالمركزية بمجرد أن أُعطوا مفاتيح مكاتبها المكيفة.

تركت النخب المسلحة قواعدها الشعبية في الأقاليم تواجه ويلات انعدام التنمية واقتصاد النهب المسلح، بينما استمتعت هي بامتيازات السلطة المركزية وحصاناتها. هكذا تم إجهاض الفيدرالية بأيدي من ادعوا القتال ودفعوا الدماء لأجلها. تحول القادة من ثوار مطالبين بالتغيير الهيكلي إلى مجرد امتداد وظيفي لـ دولة 56، وأثبتوا لقواعدهم أن غايتهم النهائية لم تكن تفكيك قبضة العاصمة، بل فقط إيجاد مقعد وثير ومُربح داخل مؤسساتها.

خامساً: عكس الهرم المالي كشرط للتأسيس

لا يمكن الحديث عن بناء سودان جديد دون إعادة هندسة التدفقات النقدية والضريبية. الفيدرالية لا تعني أن ترسل الخرطوم ميزانيات للأقاليم، بل تعني أن الأقاليم هي من توافق على تمويل الخرطوم. الهيكل الحالي يجعل العاصمة غنية استناداً إلى ثروات لا تنتجها، ويجعل الأقاليم فقيرة رغم أنها تجلس على كنوز الأرض.

كل القوى السياسية أو المدنية التي تنضوي تحت راية تحالف التأسيس، يجب أن تتبنى رؤية اقتصادية صارمة ترفض مركزة الموارد. يجب أن يكون حق الإقليم في موارده الجوفية، وزراعته، وموانئه، وعوائده الجمركية حقاً دستورياً غير قابل للتصرف أو التفاوض من قِبل أي حكومة مركزية. بدون هذا القلب الجذري للهرم المالي، ستظل كل الحلول السياسية مجرد مسكنات مؤقتة تسبق الانفجار العسكري القادم. الخرطوم يجب أن تفقد قدرتها على شراء الولاءات عبر أموال الأقاليم المنهوبة.

صوت الشرق: ملح البحر وذهب العاصمة المؤقتة!

في ميناء بورتسودان، يقف عامل يومية يُدعى أوشيك” يراقب الرافعات العملاقة وهي تُحمّل ثروات البلاد إلى سفن التصدير التي لا تتوقف. بدارجة سودانية مشبعة بالمرارة والوضوح يقول: “بحرنا ده بنشيل منو الملح بس.. والسمح كلو بسافر الى الخرطوم وعطبرة.

هذه الكلمات البسيطة التي تقال على أرصفة الميناء تلخص جوهر الأزمة الدستورية والاقتصادية بأعمق مما تفعله مجلدات السياسة. عوائد هذا الميناء الاستراتيجي تبني أبراجاً في العاصمة وتُكدّس أموالاً في حسابات النخب الحاكمة، بينما تبحث أسرة أوشيك في الأحياء الطرفية للمدينة الساحلية عن مياه صالحة للشرب وخدمة كهرباء مستقرة.

الفيدرالية بالنسبة لأوشيك وللملايين أمثاله، ليست مصطلحاً أكاديمياً يُناقش في قاعات المؤتمرات، بل هي حقه البديهي في أن يُنفق عائد عرقه وموارد أرضه على تنمية مدينته أولاً، قبل أن يُرسل الفائض لتسيير سيارات ومكاتب حكومة المركز.

المقترح التأسيسي: مفوضية الإيرادات الفيدرالية

لترجمة الفيدرالية من شعار يُستهلك سياسياً إلى واقع يُعاش، يجب اتخاذ إجراءات مؤسسية تقلب الهرم المالي للدولة رأساً على عقب، وتقطع مع الإرث الكليبتوقراطي.

الإجراء: إقرار حق الأقاليم في تحصيل الإيرادات السيادية (كالتعدين، الموانئ، والمشاريع الزراعية الكبرى)، واحتفاظ الإقليم بحصته الدستورية الحاكمة أولاً لتمويل خدماته وبنيته التحتية، ثم تُرسل النسبة المتبقية لتسيير مؤسسات المركز السيادية.
المؤسسة: تأسيس “مفوضية الإيرادات الفيدرالية” كمؤسسة سيادية مستقلة. تُمثَّل فيها الأقاليم بالتساوي بصرف النظر عن كثافتها السكانية، وتملك حق النقض (الفيتو) المالي والرقابي على أي تجاوزات أو تغوّل من الحكومة المركزية.
معيار النجاح: أن تُصبح ميزانية العاصمة معتمدة كلياً على الموارد التي توافق الأقاليم على تمويلها عبر البرلمان الفيدرالي، مما ينهي استقلال المركز المالي عن الأطراف بشكل بات ونهائي.
القاعدة الملزمة

الفيدرالية التي لا تمنح الأقاليم مفاتيح الخزينة قبل مقاعد البرلمان، هي مجرد مركزية مقنعة.

خاتمة:
إذا نجحنا في بناء هذه المعادلة الاقتصادية العادلة وتوزيع الثروة من الأسفل للأعلى، فمن سيحميها؟

كيف نضمن ألا تبتلع البنادق والانقلابات هذه المكاسب المؤسسية؟

وما هي شروط بناء مؤسسة عسكرية وطنية لا تُنتج جنرالات سياسيين يُعيدوننا إلى نقطة الصفر؟

إرسال التعليق

لقد فاتك