عمار سعيد : مفارقة تخوم الدبة: عندما يجتمع خصوم دارفور في سلة واحدة - صوت الوحدة

عمار سعيد : مفارقة تخوم الدبة: عندما يجتمع خصوم دارفور في سلة واحدة

في السياسة، كما في المطبخ الشعبي، هناك قاعدة بسيطة يعرفها الجميع: إذا وضعت بيضة فاسدة في سلة البيض، فالأفضل أن تكتشفها سريعًا قبل أن تفسد البقية. لكن في بعض الأحيان، تقرر الأقدار أن تجمع البيض الفاسد كله في سلة واحدة… ربما لتوفر على الناس عناء البحث.

هذا بالضبط ما حدث في تخوم مدينة الدبة بالولاية الشمالية، حين جمع لقاءٌ واحد شخصيتين طالما وقفتا على طرفي نقيض في مسرح حرب دارفور: مني أركو مناوي وموسى هلال. لقاءٌ لا يحتاج إلى كثير من التحليل بقدر ما يحتاج إلى شيء من التأمل في مفارقات السياسة السودانية، حيث تتحول الخصومات القديمة إلى صور تذكارية، وتذوب شعارات الأمس أمام حسابات اليوم.

لمن يتابع تاريخ الإقليم، فإن اجتماع الرجلين ليس مجرد لقاء عابر. إنه أشبه بمشهد من رواية سودانية طويلة، مليئة بالتقلبات والتحالفات المتبدلة. فالرجل الذي كان يقدم نفسه يومًا باعتباره أحد رموز التمرد في دارفور، يجلس اليوم إلى جانب رجل ارتبط اسمه بواحدة من أحلك فصول الصراع في الإقليم. وبين الماضي والحاضر مسافة قصيرة جدًا اسمها: السلطة.

لكن المفارقة الأكثر إثارة للسخرية ليست في اللقاء نفسه، بل في التحالف الجديد الذي جمعهما. فالقاسم المشترك بين الرجلين اليوم ليس مشروعًا سياسيًا واضحًا، ولا رؤية لمستقبل السودان، بل شيء أبسط بكثير: الارتماء في أحضان المؤسسة العسكرية التي تقودها بقايا النظام القديم.

وهنا تتجلى سخرية القدر بأوضح صورها.

فالذين بنوا خطابهم لسنوات على معارضة المركز وهيمنة المؤسسة العسكرية، وجدوا أنفسهم في نهاية المطاف يقفون تحت نفس المظلة التي كانوا يرفعون شعارات إسقاطها. والذين قدموا أنفسهم كمدافعين عن الهامش، انتهى بهم المطاف إلى التحالف مع نفس القوى التي طالما اتهموها بإدارة حروب الهامش.

في السياسة السودانية، يبدو أن الذاكرة قصيرة جدًا، أو ربما يتم التعامل معها كملف يمكن إغلاقه متى اقتضت المصلحة. فالأمس الذي كان مليئًا بالاتهامات والدماء، يصبح اليوم مجرد صفحة قديمة يمكن تجاوزها بابتسامة أمام عدسات الكاميرات.

والنتيجة؟
مشهد سياسي أقرب إلى مسرح العبث: خصوم الأمس يجلسون معًا، بينما الضحايا الحقيقيون للحرب ما زالوا يبحثون عن العدالة والعودة إلى ديارهم.

ربما لا يحتاج هذا اللقاء إلى بيان سياسي أو تفسير طويل. يكفي أن ننظر إليه من زاوية بسيطة: عندما يجتمع البيض الفاسد في سلة واحدة، فإن المشكلة لم تعد في البيض… بل في السلة التي قررت حمله.

وفي السودان، للأسف، ما زالت السلة تتسع للمزيد.

إرسال التعليق

لقد فاتك