مجدي محمد : الكتاب الثاني للثورة السودانية (1)الامتحان المكشوف - صوت الوحدة

مجدي محمد : الكتاب الثاني للثورة السودانية (1)الامتحان المكشوف

فايروس الكليبتوقراطية في الجسد الثوري

مشهد افتتاحي:

كانت الخرطوم في أكتوبر 2021 تمطر من وقت للوقت، وكانت مكاتب رئاسة مجلس الوزراء تهدر بأصوات آلات الطباعة وأجراس الهواتف وخطوات المسؤولين المتسارعة. في الطابق العلوي من المبنى ذاته الذي ظل قرابة ثلاثة عقود رمزاً للدولة التي يريدون هدمها، كان مني أركو مناوي يوقّع أوراقه الرسمية بصفته “حاكم إقليم دارفور”. خارج النافذة ببضع مئات من الكيلومترات، كانت معسكرات النازحين في زمزم وكلمة تطفح بالبشر وتُقبر الأحلام يومياً. لم يزر مناوي أو جبريل معسكراً واحداً منها منذ جلسا على الكرسي.

هذا المقال يحاول أن يجيب عن سؤال يراودنا جميعاً: كيف تنتقل عقلية النهب من الجلاد إلى المحرر؟ ولماذا يتحوّل الثائر إلى نسخة مُحسّنة من خصمه؟ هل كان هذا التحول حتمياً؟ وما الذي يُريحنا اليوم ونحن نتأمل مسار مكونات تحالف التأسيس لئلا نُعيد إنتاج المأساة؟

السؤال المحوري: هل فايروس الكليبتوقراطية في جين النظام لا في جين الأشخاص؟ وهل يكفي أن تكون ثائراً لتكون محصّناً من عدوى الكرسي؟

أولاً: السلطة كفايروس يُعيد برمجة الدماغ

في مطلع السبعينيات، أثبتت تجارب علم النفس الاجتماعي شيئاً قاسياً: حين تُعطي شخصاً عادياً سلطةً داخل مؤسسة مُصمَّمة لإنتاج الطاعة والخوف، فإن المؤسسة غالباً ما تعيد تشكيله أسرع مما يتوقع هو نفسه. لا تتغيّر النوايا بالضرورة، لكن تتغيّر الحدود. تتسع مساحة “المسموح” خطوة بعد خطوة، إلى أن يصير ما كان خجلاً بالأمس “إدارة” اليوم. لهذا لا يكفي أن يكون القائد صادقاً عند دخوله. إن كانت الغرفة التي يجلس فيها مُصمَّمة تاريخياً للنهب، فالحماية الوحيدة ليست في روحه، بل في تفكيك الغرفة وإعادة بنائها: قواعد، رقابة، ومسارات قرار لا يملكها فرد واحد.

في السودان، ورث من جاء بعد إسقاط البشير جهازاً إدارياً وأمنياً وبنية مالية تشكّلت عبر عقود. من يدخل هذا الجهاز دون تفكيك جذري، لا يغيّره؛ بل غالباً ما يكتشف أن الجهاز هو الذي يغيّره.

يعتقد الكثيرون أن المعاناة تحت وطأة الظلم تمنح الثائر مناعة أخلاقية أبدية ضد الفساد. هذا الوهم هو أولى خطوات الهزيمة. الظلم لا يُعلّم العدالة بالضرورة، بل يُعلّم أحياناً آليات السيطرة. عندما يدخل قائد الهامش إلى دهاليز دولة 56 ، هو لا يُغيّر زيه العسكري ببدلة أنيقة فحسب. في تلك اللحظة، تبدأ المؤسسة ذاتها في إعادة برمجة عقله.

هذا السقوط ليس خللاً أخلاقياً مجرداً نكتفي بشتمه، بل هو استجابة نفسية ومؤسسية قابلة للقياس والتوقع.

يثبت عالم النفس Philip Zimbardo في تجربة سجن ستانفورد أن المؤسسة تُشكّل سلوك الفرد وتطغى على قيمه الشخصية مهما كانت نبيلة. وفي السياق ذاته، يؤكد عالم النفس David Kipnis أن السلطة المطلقة تُحدث تأثيراً تحولياً في الدماغ. يبدأ القائد تدريجياً في رؤية أتباعه كأدوات، ويعتبر الموارد العامة مكافأة شخصية مستحقة لتضحياته السابقة.

النظام المتجذر في الخرطوم ليس مجرد جهاز إداري فاشل، بل هو بنية النظام الكليبتوقراطي صُممت خصيصاً لاحتواء القادمين الجدد عبر استيعابهم في شبكات النهب المنظم. عندما يفتقر التنظيم الثوري لآليات رقابة مالية مؤسسية، يقع القائد في الفخ المفتوح. يتحول المسار ببساطة من ممارسة اقتصاد النهب المسلح في الأطراف، إلى الاستمتاع بامتيازات النهب المصلح في المركز.

هكذا تُولد عقلية الفلنقاي من رحم الثورة. يُبرر القائد ثراءه المفاجئ وتخليه عن قضيته بأنه انتزاع لحقوق مجتمعه المهمش. لكن الحقيقة العارية هي أن الضحية السابقة تعلمت فقط كيف تمسك بالسوط.

المؤسسة ابتلعت الثائر، وبدلاً من تفكيك منظومة النهب، أصبح هو الحارس الجديد لخزائنها.

الكليبتوقراطية كنظام لا كعيب أخلاقي فردي

الكليبتوقراطية ليست مجرد “فساد” كخبر عابر أو خطأ موظف. هي نظام حكم متكامل يقوم على النهب المنظّم للموارد العامة، وبناء شبكات ولاء تُكافئ من يحمي النظام وتُعاقب من يكشفه. في هذا النظام، المال ليس نتيجة السلطة فقط، بل هو أداة لشراء الاستقرار القسري.

الخطأ الذي تكرّر بعد 2019 هو الاعتقاد بأن المشكلة في الأشخاص لا في البنية. فعندما تجلس في مكتب تكديس الثروات ذاته، وتتحكم في نفس صنابير الموارد دون تغيير هياكل السيطرة والشفافية، فإن الكرسي يفعل بك ما فعله بمن سبقك. ليس لأنك شرير، بل لأن المؤسسة مُصمَّمة لتُنتج “مستفيدين” قبل أن تُنتج “خدّاماً للشعب”.

ثانياً: صناعة الفلنقاي عبر الهندسة الاجتماعية

الفلنقاي ليس شتيمة، هو تشخيص.
في الثقافة السياسية السودانية، هذه الكلمة تختصر ظاهرة كاملة. “الفلنقاي”.

هي ليست شتيمة لمن يفهمها، بل تشخيص لمسار يتكرر. شخص يبدأ ثائراً أو ممثلاً لمظلومية حقيقية، ثم يتحوّل تدريجياً إلى وسيط يبيع القضية مقابل مكاسب شخصية.

السبب ليس دائماً ضعفاً أخلاقياً فردياً. أحياناً يكون “موضع” الشخص في المعادلة هو ما يصنع الانحدار. حين يصبح هو الجسر الوحيد بين جماعته والسلطة، تتضخم قيمته التفاوضية، ويصبح التنازل نفسه سلعة. ومع الوقت، تتبدل لغة المبدأ إلى لغة الصفقة، ثم يعتاد العقل التبرير: “هذه خطوة تكتيكية”، “هذا ظرف مؤقت”، “سنعود لاحقاً”.

تاريخياً، تكررت هذه الظاهرة بصورة شبه آلية في تجارب سياسية ومسلحة عديدة: يبدأ القائد بمطالب عادلة، تحاصره السلطة بين حرب ممتدة وإغراء الكرسي، فيختار الكرسي ثم يبيع قضيته على أقساط حتى لا يواجه إحساس الخيانة دفعة واحدة.

لا تواجه دولة 56 خصومها بالرصاص العسكري فقط. السلاح الأمضى في يد نخب المركز هو الهندسة الاجتماعية. عندما يعجز المركز عن سحق التمرد في الأطراف، يلجأ فوراً إلى استراتيجية الاحتواء المسموم. هذه المؤسسة تدرس قادة الهامش بدقة، وتعرف متى تستبدل البندقية بحقيبة وزارية وميزانية مفتوحة بلا رقابة.

عملية الاختراق هذه ليست عشوائية، بل هي تكتيك أمني واقتصادي موثّق. وفق تقرير مشروع Enough (2019) حول الاقتصاد السياسي للنزاعات في السودان، تعتمد الأجهزة الأمنية في المركز على التلاعب المقصود بالبنى القبلية والمجتمعية لخصومها. يتم فصل القائد تدريجياً عن حواضنه الشعبية عبر إغداق الامتيازات المالية عليه، ليجد نفسه معزولاً ومضطراً للاعتماد كلياً على شبكات المركز لحماية نفوذه.

هنا يظهر الفلنقاي ليس كشتيمة عابرة، بل كمنتج مؤسسي. الفلنقاي لا يُولد خائناً؛ بل هو ثائر ابتلعته ماكينة المركز وأعادت تدويره. يتم مقايضة مشروع المواطنة الكاملة بحصة شخصية في منظومة النهب المصلح. في هذه المرحلة، يتحول القائد نفسه إلى أداة لقمع مجتمعه، وتصبح مهمته الأساسية حماية الوضع القائم الذي بات شريكاً فيه.

هناك بُعد نفسي يفسّر جزءاً من المأساة: الصدمة الجمعية. المجتمعات التي تعيش زمناً طويلاً تحت العنف المنظم والإقصاء القسري لا تنتج فقط ضحايا؛ بل قد تنتج أيضاً أنماطاً قيادية تُعيد إنتاج ما كرهته حين تصل إلى السلطة. ليس لأن الضحية “تحب” القمع، بل لأن القمع يصبح لغة مألوفة لإدارة الخوف والتهديد.

لهذا، لا تُعالج الجراح بالحصص الوزارية ولا بالمناصب الرمزية. تُعالج بمؤسسات شفافة ومساءلة حقيقية وتعليم تاريخي يُعيد ترتيب الوعي: ما الذي حدث؟ لماذا حدث؟ وكيف لا يتكرر؟

هذا التشخيص يضع أي فصيل أو تحالف جديد، بما فيه تحالف “تأسيس”، أمام امتحانه الأكبر. إذا غابت القواعد المؤسسية التي تمنع التفاوض الفردي والمكاسب الجانبية، فإن النتيجة التاريخية ستكرر نفسها. آلة الهندسة الاجتماعية لا تزال تعمل بكفاءة. وبدون شفافية ملزمة، نحن لا نصنع قادة للسودان الجديد ، بل نُجهّز الدفعة القادمة من الفلنقايات.

ثالثاً: فخ التحرير – من درس جنوب أفريقيا الى رواندا

كل ثورة تنتصر أو تقترب من الانتصار تواجه الفخ ذاته: ماذا تفعل بجهاز دولة قديم تشرب منطق النهب؟ وكيف تُدير جيلاً من المقاتلين الذين صارت الحرب جزءاً من هويتهم اليومية؟ هنا تظهر أهمية شيء يبدو مملاً لكنه هو الفارق الحقيقي: مؤسسات قياس الأداء والمساءلة.

لا يهم أن ترفع شعارات عظيمة إذا كانت أدوات الرقابة ضعيفة. ولا يهم أن تكون “نوايا القيادة” صافية إذا كان الطريق بلا حواجز تمنع الانحراف. الدرس العملي من تجارب دول عديدة: الضمانات المؤسسية. حتى لو كانت ناقصة تظل أقوى من التعويل على الضمير وحده.

تجربة حزب المؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا تقدم درساً قاسياً.

قادة الحزب، الذين قضوا عقوداً في السجون والمنافي والنضال المسلح، استلموا السلطة بنوايا حسنة وشرعية ثورية لا تُضاهى. لكن غياب مؤسسات رقابة مالية صارمة داخل الحزب نفسه قبل استلام الدولة، جعلهم فريسة سهلة لفيروس الكليبتوقراطية.

النتيجة كانت ما يُعرف بـ “الاستيلاء على الدولة” (State Capture). تحول المناضلون إلى وسطاء لرجال الأعمال، وتم تفريغ مؤسسات الدولة لصالح النخبة الجديدة.

أما في رواندا حين فازت الجبهة الوطنية الرواندية بقيادة بول كاغامي عسكرياً عام 1994، واجه نفس الفخ الذي تواجهه كل ثورة منتصرة: ماذا يفعل بجيش قاتل لعقود وكوادر مسلحة بُنيت هويتها على الحرب، ونظام قديم تجذّرت فيه الكليبتوقراطية؟ نجاح رواندا ليس في فضيلة بول كاغامي الشخصية، بل في أن رواندا بنت مؤسسات قياس أداء مستقلة، ونظام مساءلة محلية لم يُوقفه حتى من يُدين لكاغامي سياسياً. أي أن الضمانة المؤسسية هي الأقوى.

الدرس المقارن هنا محدد: الشرعية النضالية ليست ضمانة للنزاهة الإدارية.

الفارق الجوهري بين جنوب أفريقيا والسودان هو أن الأولى ورثت دولة مؤسسات قوية اقتصادياً، فاستغرقت عملية نهبها عقوداً. أما في السودان، فإن إعادة إنتاج دولة 56 تعني الاعتماد على آلة منهكة ومصممة للنهب أصلاً ، مما يعني أن أي تساهل من تحالف التأسيس في فرض الشفافية سيؤدي إلى انهيار فوري، وليس مجرد فساد تدريجي.

رابعاً: الصوت المحلي – خذلان المركز

في أحد معسكرات النزوح، سُئل شيخ طاعن في السن عن رأيه في اتفاقيات السلام التي تنتهي دائماً بمناصب في الخرطوم. أشار بعصاه نحو الأفق وقال بدارجة سودانية مثقلة بالخيبة: “الزول البمشي يشرب من البحر، بنسى العطشانين في الخلا”.

هذه الجملة البسيطة تلخص المأساة بأكملها. (وفق روايات شفهية من قرى جبل مرة جُمعت في 2019)، يشعر المواطن العادي أن قادته لا يذهبون إلى الخرطوم لتغيير النظام، بل للالتحاق به. عندما يعود القائد إلى قريته في سيارة فارهة، بينما لا يزال أهله يبحثون عن مياه الشرب والأمن، تسقط كل الشعارات. هذا الصوت ليس مجرد شكوى، بل هو إعلان وفاة مبكر لأي مشروع سياسي لا يضع الشفافية قبل تقاسم السلطة.

كثير من شباب تحالف التأسيس “الأشاوس” الذين سقطوا في الميدان لم يسقطوا من أجل وجه فلان بعينه، لكي يجلس على كرسي بعينه. بل سقطوا وقدموا أرواحهم ودمائهم لأنهم آمنوا بمعادلة مختلفة. هذا الإيمان أمانة، والأمانة تستحق مؤسسات لا وعوداً.

خامساً: لماذا تحالف التأسيس أمام اختبار بنيوي لا شخصي؟ “الإمتحان المكشوف”

السؤال الصحيح ليس: هل قادة تحالف التأسيس شرفاء؟

السؤال الصحيح: ما الهياكل التي تجعل الفساد مكلفاً ومستحيلاً حتى لو لم يكونوا شرفاء؟

هناك ثلاثة اختبارات بنيوية لا يمكن تجاوزها بحسن النية:

اختبار الحوكمة المالية: هل توجد آليات تدقيق مستقلة على الموارد، أم يتحول المورد إلى ملكية شخصية للقائد؟
اختبار التداول على القيادة: هل توجد مدد واضحة وتغيير حقيقي، أم يتأسس منطق “لا غنى عني”؟
اختبار الصوت المعارض: هل يُسمح بنقد داخلي علني دون أن يُعاد تعريفه كخيانة؟
إن لم تكن الإجابة “نعم” على هذه الأسئلة، فإن الحديث عن النوايا الحسنة يصبح دفاعاً نفسياً أكثر منه خطة بناء.

هنا لابد من التشديد على ضرورة أن يفتح قادة تحالف تأسيس “باباً شفافاً” وخالي من البيروقراطية، لتلقى المقترحات والشكاوى والملاحظات. القائد الذي يعجز عن فتح نافذه آمنة بينه وبين شعبه، نافذة لا تخضع لأمزجة مراكز قوى أو نفوذ أو قربى، فهو قائد غير جدير بالقيادة.

المقترح العملي: مرصد الشفافية

التشخيص بلا مقترح هو مجرد ترف فكري.

المقترح هنا هو إجراء عملي ملزم لكل فصيل ينضوي تحت تحالف التأسيس

الإجراء: تقديم إقرار ذمة مالية علني وتفصيلي لكل قائد سياسي أو عسكري قبل توليه أي منصب.

المؤسسة: إنشاء “مرصد مدني مستقل للشفافية” يتكون من تجمعات المهنيين والمجتمع المدني في الأقاليم، ولا يخضع لسلطة القادة العسكريين.
معيار النجاح: إسقاط الشرعية الجماهيرية والسياسية فوراً عن أي قائد يرفض الخضوع للمرصد أو يثبت تورطه في الإثراء الشخصي.
القاعدة الملزمة الثائر الذي يرفض الشفافية المالية قبل السلطة، هو طاغية قادم لن يبني سوى نسخة مشوهة من دولة 56.

إرسال التعليق

لقد فاتك