مجدي محمد : الكتاب الأول للثورة المسلحة في دارفورجذور الأزمة والهندسة الاجتماعية(10) - صوت الوحدة

مجدي محمد : الكتاب الأول للثورة المسلحة في دارفورجذور الأزمة والهندسة الاجتماعية(10)

حصاد الكليبتوقراطية.. حكم اللصوص

في صباح الخامس عشر من أبريل 2023، استيقظ السودانيون على أصوات المدافع المضادة للطيران وهي تمزق سماء الخرطوم. لم تكن تلك رصاصات غادرة جاءت من فراغ، بل كانت النتيجة الحتمية والمنطقية لـ “هندسة الخراب” التي تتبعناها طوال المقالات التسعة الماضية.
عندما تحوّل الدولة إلى “مغارة”، وتستورد عصابات النهب المسلح لحراستها، وتشرعن المليشيات بقرارات رئاسية، وتقسم العاصمة إلى مربعات أمنية يحكمها أمراء حرب.. فإن الانفجار لا يصبح احتمالاً، بل مسألة وقت.
هذا المقال الختامي يفكك اللحظة التي التهم فيها “فرانكنشتاين” صانعه. كيف قاد انقلاب 25 أكتوبر (الذي دعمه قادة جوبا) إلى تدمير الدولة؟ وكيف سقطت آخر أوراق التوت عن “الفلنقايات” وهم يراقبون حريق (الفاشر) من مكاتبهم المكيفة في بورتسودان؟

1/ القنبلة الموقوتة: برميل بارود اسمه “الخرطوم”

لقد مثّل “اتفاق جوبا” (2020) أسوأ كارثة أمنية في تاريخ السودان. بدلاً من دمج الجيوش خارج المدن في جيش جديد، سمح الاتفاق بتكديس آلاف المقاتلين من حركات دارفور، بأسلحتهم الثقيلة وتاتشراتهم، في قلب العاصمة.

  • توازن الرعب: أصبحت الخرطوم تحوي ثلاثة جيوش متنافرة: (الجيش المختطف بواسطة الفلول، الدعم السريع، وحركات الكفاح المسلح). كل جهة تمتلك اقتصادها المستقل، ومصادر تسليحها، وقادتها الذين لا يأتمرون بأمر الدولة.
  • غياب الرأس: الكليبتوقراطية لا تستطيع العيش في نظام تعددي. كانت بندقية الجيش في الخرطوم تبحث عن “الاحتكار الكامل” للسلطة والثروة، كما درجت العادة بعد كل ثورة. لقد تم تفخيخ العاصمة بامتياز، وقام قائد الجيش ببناء سور خرساني حول القيادة وكان الجميع ينتظر عود الثقاب.

2/ انقلاب 25 أكتوبر: إزالة “الساتر المدني”

اعتقد البرهان والكيزان، وبدعم وتحريض من حلفائهم الجدد (مناوي وجبريل)، أن الإطاحة بحكومة حمدوك المدنية في أكتوبر 2021 ستعيد لهم السيطرة المطلقة على مقاليد البلاد وتوقف لجنة “تفكيك التمكين” التي كانت تهدد إمبراطورياتهم المالية.
وأن قوات الدعم السريع يمكن شغل قيادتها بمشاكل دارفور التي تصنعها الاستخبارات لحين تمرير الانقلاب. ثم تتم مساومة حميدتي على نصيب في كعكة سلطة البندقية.

  • الخطأ القاتل: ما لم يدركه البرهان والكيزان هو أن “الحكومة المدنية” (رغم ضعفها وهوانها)، كانت تمثل “الساتر المطاطي” الوحيد الذي يمكن أن يمنع اصطدام العسكر ببعضهم البعض.
  • المواجهة المباشرة: بمجرد إزالة المدنيين، وجد البرهان وحميدتي نفسيهما وجهاً لوجه في غابة لا تتسع لأسدين، لم يعد هناك مدنيون ليلقوا عليهم اللوم في الفشل الاقتصادي، وبدأ الصراع المكشوف على توزيع كعكة السلطة: من يدمج من؟ ومن يحكم من؟
    رفض قائد الدعم السريع كل الإغراءات، واعتذر عن المشاركة في الانقلاب، وتمسك بالحكم المدني الفيدرالي، وبناء جيش جديد. فكان الانفجار.

3/ حرب 15 أبريل: الحتمية التاريخية لتفكيك الكارتيل!

اندلعت الحرب في أبريل لا دفاعاً عن “كرامة وطنية” ولا بحثاً عن “عدالة”، بل كانت حتمية تاريخية لصدام مشروعين خرجا من رحم أزمة واحدة، لكنهما افترقا في المسار والمصير.

  • بينما أراد جيش البازنقر (المختطف إسلامياً) استعادة احتكاره التاريخي لـ “دولة 56” عبر الانقلاب وفرض الأمر الواقع.
  • أدركت قيادة الدعم السريع—التي خرجت من رحم الهامش وتجرعت سموم التهميش— و دفعت ثمناً ناهضاً في الدفاع عن دولة 56, أن استمرار التحالف مع هذا المركز الاستعلائي مستحيل، فانحازت لخيار تفكيك هذه الدولة، وبناء سودان جديد ينهي دورة الحروب المفرغة… فكان الصدام حتمياً.
    لقد احترقت الخرطوم لأن قائد (النهب المصلح) في المركز أغرى عصابات (النهب المسلح) بأنهم معاً يمكنهم إعادة إنتاج ذات النظام الكليبتوقراطي، حتى ولو كان ثمن ذلك هو أن يدفع المواطن البسيط ضريبة هذا التحالف المشبوه من دمه وعرضه وممتلكاته.

4/ سقوط الأقنعة: حياد “النخاسة” وبازار الفاشر!

أبطال النضال المزيف (مناوي وجبريل) عندما احترقت الخرطوم نقلوا قواتهم نحو دارفور بعد أن خدعوا الدعم السريع بالحياد.

  • الحياد الانتهازي: في بداية الحرب، أعلن مناوي وجبريل “الحياد”، وانسحبوا بقواتهم من الخرطوم. لم يكن حياداً أخلاقياً لمنع إراقة الدماء، بل كان “انتظاراً براغماتياً” ليروا قضاء الجيش على الدعم السريع خلال فترة وجيزة فيستلموا دارفور ويسترقوا أهلها لصالح الدولة القديمة.
  • الهروب إلى بورتسودان: عندما أدركوا أن الدعم السريع ليس لقمة سائغة يمكن ابتلاعه، وأن مدن دارفور تسقط واحدة تلو الأخرى في يد الجاهزية، هربوا إلى بورتسودان ليحتموا بـ “سلطة الأمر الواقع” للجيش. استمر جبريل في منصبه كوزير مالية يفرض الجبايات لتمويل حكومة لا تسيطر إلا على شريط ساحلي، واستمر مناوي كـ “حاكم إقليم” لا يستطيع دخول إقليمه!
  • محرقة الفاشر: بينما كان الجيش والحركات يتخذون من سكان الفاشر دروعاً بشرية، والمدينة تُحاصر وتُقصف، كانت قوات مناوي وجبريل ترتكب داخل المدينة أبشع جرائم التصفية والتطهير على أساس إثني، بينما كان قادة الحركات يساومون الجيش في بورتسودان على نسبة تمثيلهم وميزانيات قواتهم. لقد استخدموا دماء أهل الفاشر ومعسكر “زمزم” كـ “كرت ضغط تفاوضي” لضمان بقائهم في المشهد.

5/ خاتمة الكتاب الأول:
جثة “دولة 56” وحفارو القبور

لقد وصلنا إلى نهاية هذا الجزء من التشريح.
على مدار قرن كامل (منذ مقتل السلطان علي دينار في 1916، وصولاً إلى حرب أبريل 2023)، كانت المأساة السودانية تُعاد برمجتها بنفس الشفرة:
“نخب نيلية كليبتوقراطية تحتكر السلطة والثروة بالخداع والقوة، ونخب هامشية انتهازية تبيع قضايا أهلها مقابل الانضمام لنادي المركز.”

لقد أثبتت التجربة المريرة أن البندقية بلا مشروع وطني هي مجرد أداة ارتزاق. وأن من تخرجوا من مدرسة “النهب المصلح” ومدرسة “النهب المسلح” لا يمكن أن يبنوا دولة قانون. مناوي، جبريل، البرهان، وعقار لم يكونوا أعداءً حقيقيين في يوم من الأيام، بل هم شركاء في “شركة مساهمة” واحدة أفلست، وهم الآن يقاتلون على تصفية أصولها.

“دولة 56” قد ماتت سريرياً وعسكرياً واقتصادياً. وما يجري الآن ليس محاولة لإنقاذها، بل هو صراع بين “حفاري القبور” على من يمتلك الحق في دفنها وسرقة كفنها.

إن الأمل الوحيد المتبقي للسودان يكمن في تلاحم قوى التغيير الجذري: إرادة التأسيس الميدانية التي تحملها بنادق المهمشين (شباب الجاهزية)، مع الوعي السياسي والمدني لجيل ثورة ديسمبر المجيدة. هذا التحالف التاريخي هو الوحيد القادر على دفن جثة ‘دولة 56’ للأبد.

ولكن، هل سقوط ‘دولة 56’ يعني تلقائياً ولادة ‘السودان الجديد’؟

التاريخ يعلمنا أن الثورات لا تموت برصاص الأعداء، بل تموت بأخطاء المنتصرين. إذا كان مشروع التأسيس هو البديل القادم، فإنه يواجه اليوم امتحانه التاريخي الأكبر. لا يمكن لمن يحمل فايروس الكليبتوقراطية أن يبني دولة شفافة، ولا يمكن لمن يفتقد الديمقراطية في بنيته أن يمنحها للآخرين، ففاقد الشيء لا يعطيه!

إرسال التعليق

لقد فاتك