آدم أديب: القبيلة بعد أبريل… حين انكشفت الدولة لا المجتمع
لم تكن حرب الخامس عشر من أبريل مجرد مواجهة بين قوتين مسلحتين، بل كانت لحظة تعرٍّ كبرى للدولة السودانية. لم يسقط في تلك اللحظة مبنى هنا أو حي هناك فقط، بل سقطت فكرة كانت معلّقة منذ الاستقلال: فكرة أن الدولة الحديثة قد ترسخت بما يكفي لتحمي مجتمعها من الانقسام.
الحرب لم تُعد القبيلة إلى المشهد؛ القبيلة لم تغب أصلاً. لكنها كشفت حدود الدولة، وأظهرت هشاشة البناء الوطني حين يُختبر خارج الخطابات الرسمية.
السؤال الذي طرحته الحرب لم يكن: من انتصر؟
بل: من يحتمي بمن عندما تغيب الدولة؟
بين القبيلة والقبائلية
الخلط بين المفهومين هو أول أخطاء النقاش السوداني.
القبيلة كيان اجتماعي تاريخي، شبكة تضامن وأمان، إطار انتماء ثقافي واقتصادي.
أما القبائلية فهي عقلية سياسية إقصائية، تُحوِّل الانتماء إلى معيار تفاضل، وإلى أداة تعبئة وصراع.
المشكلة لم تكن في وجود القبائل، بل في تحوّلها إلى أدوات في صراع السلطة.
لم تُخلق القبائلية في أبريل، لكنها وجدت في انهيار الدولة بيئة خصبة للظهور العنيف.
محددات الأزمة البنيوية
أولاً: إخفاق مشروع الدولة الوطنية
منذ الاستقلال، لم يُنجز السودان انتقالاً حقيقياً من دولة الإدارة الاستعمارية إلى دولة المواطنة.
ورثنا جهازاً مركزياً يدير التنوع ولا يدمجه، يراقبه ولا يحتضنه.
لم تُبنَ مؤسسات تمثيل عادلة،
لم تُوزع الموارد بصورة متوازنة،
ولم يتحول التنوع إلى مصدر قوة داخل عقد اجتماعي جامع.
فبقيت الهويات الأولية أكثر رسوخاً من الهوية الوطنية.
وحين اهتز المركز، تقدّم الهامش لا تمرداً، بل ملأً لفراغ.
ثانياً: الاقتصاد السياسي للانقسام
الأزمة السودانية ليست ثقافية فحسب، بل اقتصادية سياسية بامتياز.
الدولة دخلت الأطراف بالجباية لا بالخدمة، وبالقوة لا بالتنمية.
حين تتراجع العدالة في توزيع الموارد،
تتحول الأرض إلى ساحة تنازع،
وتتحول الهوية إلى خط دفاع.
في غياب التنمية المتوازنة، تصبح القبيلة ضرورة بقاء لا خياراً أيديولوجياً.
ثالثاً: توظيف النخب للانتماءات
لم تكن القبيلة خصماً دائماً للسلطة؛ كانت أحياناً أداتها الأكثر فاعلية.
استُدعيت في الانتخابات،
واستُخدمت في الحروب،
ووُظفت في توزيع المناصب.
بهذا المعنى، لم تكن الدولة غائبة تماماً، بل حاضرة بطريقة انتقائية:
تُسلّح طرفاً، تُعيد رسم الولاءات، ثم تتظاهر بالحياد.
وهنا تتجلى الأزمة الأعمق: دولة تستند إلى الولاء الأولي بدل المواطنة المتساوية، فتُضعف نفسها كلما اعتمدت عليه.
تجليات الأزمة بعد الحرب
بعد أبريل لم نشهد عودة القبيلة، بل غياب الدولة.
انهارت الثقة في القانون،
تراجع احتكار العنف المشروع،
وتحوّلت بعض الانتماءات إلى أطر تنظيم عسكري.
لم يعد السؤال: ما هو القانون؟
بل: من يحميني الآن؟
وحين تصبح الإجابة قبيلتي لا دولتي،
فهذا ليس انتصاراً للماضي، بل إعلان فشل للحاضر.
هل القبلية سبب أم نتيجة؟
القراءة السطحية تُحمِّل القبيلة مسؤولية الحرب.
أما القراءة البنيوية فترى العكس:
القبائلية تجلٍّ لأزمة أعمق في الحكم والعدالة وإدارة التنوع.
لا تُهزم القبائلية بالخطاب الأخلاقي،
ولا بتجريم اجتماعي،
ولا بالقوة الأمنية وحدها.
الطريق الوحيد هو إعادة بناء الدولة على:
المواطنة المتساوية
توزيع عادل للموارد
مؤسسات محايدة
تنمية شاملة تقلل من تنافس الهويات
حين يشعر المواطن أن الدولة تراه دون سؤال عن اسمه،
لا يحتاج إلى الاحتماء بنسبه.
الطريق إلى ما بعد أبريل
القبيلة لن تختفي من السودان، ولن ينبغي لها أن تختفي.
لكن وظيفتها يمكن أن تتغير.
يمكن أن تكون ذاكرة اجتماعية،
ورصيداً ثقافياً،
وإطار تضامن مدني.
أو تبقى خندق تعبئة وصراع.
الفرق لا تحدده القبيلة،
بل شكل الدولة.
السؤال الذي يجب أن يوجّه المرحلة القادمة ليس:
كيف نقضي على القبيلة؟
بل:
كيف نبني دولة لا تضطر الناس إلى الاحتماء بها؟
لأن الوطن الحقيقي ليس الذي يُلغي الهويات،
بل الذي يجعلها غير قابلة للاستغلال السياسي.


إرسال التعليق