مجدي محمد : الكتاب الأول للثورة المسلحة في دارفور جذور الأزمة والهندسة الاجتماعية(٩) - صوت الوحدة

مجدي محمد : الكتاب الأول للثورة المسلحة في دارفور جذور الأزمة والهندسة الاجتماعية(٩)

اتفاق جوبا (2020).. “السطو المسلح” على الثورة: يوم تقاسم الجنرالات و”الفلنقايات” جثة السودان!

بقلم: مجدي محمد مصطفي ماكن

في أكتوبر 2020، وقّعت الحركات المسلحة (وعلى رأسها مناوي وجبريل) اتفاقاً للسلام في عاصمة جنوب السودان، جوبا، مع الحكومة الانتقالية. رقص الجميع، ونُحرت الذبائح، وهلّل المجتمع الدولي لـ “نهاية الحروب في السودان”.

لكن الحقيقة المرة، التي أثبتتها دماء ما بعد 15 أبريل، هي أن “اتفاق جوبا” لم يكن معاهدة سلام، بل كان “عقد اندماج تجاري” (Corporate Merger) بين “أمراء الحرب” القادمين من الهامش، و”جنرالات اللجنة الأمنية” المتربعين في المركز، الهدف منه تصفية ثورة ديسمبر المدنية، وتقاسم ما تبقى من جثة الدولة السودانية.

هذا المقال يشرح كيف تحول اتفاق السلام إلى “حصان طروادة” لاختراق الوثيقة الدستورية، وكيف استخدم البرهان قادة الحركات المسلحة كـ “مخلب قط” للانقلاب على الحكومة المدنية، مقابل حفنة من الوزارات والمناصب.

1/ هندسة الفخ: الجنرالات يبحثون عن “حاضنة سياسية”

بعد سقوط البشير، وجد الجيش نفسه في مأزق. الثورة وقوى التغيير الجذري من جانب، و الدعم السريع من جانب اخر. أدرك الجيش ان الشارع المدني (لجان المقاومة وقوى الحرية والتغيير) يطالب بالديمقراطية وتفكيك التمكين وإبعاد العسكر عن الاقتصاد، و انه يمكن تجاوزهم بالاتفاق مع قادتهم، لكن الدعم السريع كان مشكلتهم الكبرى.

  • البحث عن حلفاء: أدرك الجيش أنهم بحاجة إلى “واجهة مدنية” تبرر بقاءهم في السلطة وتضرب قوى الهامش من الداخل. ولم يكن هناك مرشح أفضل من “قادة الحركات المسلحة” الذين فاتهم قطار الثورة السلمية، وكانوا يبحثون عن بوابة خلفية لدخول الخرطوم.
  • اختطاف ملف السلام: تعمد الجيش سحب ملف التفاوض من الحكومة المدنية (حكومة حمدوك) واحتكاره بالكامل. سلم الملف لحميدتي ك “عراب السلام”، ليفاوض قادة الحركات ويبرم معهم صفقة التسوية.
    في ذات الوقت كان الجيش يحرض ضد الاتفاق و يتآمر ضد الدعم السريع.
  • عندنا كانت الاستخبارات العسكرية تروج بأن اتفاق جوبا هو اتفاق غرابة في ما بينهم و ان هناك اتفاق سري بينهم و الدعم السريع لاستلام السلطة في الخرطوم، كان البرهان قد عقد إتفاق مع مناوي وجبريل،
    “نعطيكم المناصب والمال، وتقفون معنا ضد الدعم السريع والقوى المدنية التي تريد تفكيكنا”. ذات الاتفاق الذي رفضته الحركة الشعبية و كشف عنه الجنرال ماكور.

2/ المحاصصة كبديل للعدالة: بيع “المعسكرات” للمرة الألف

كيف تضمن اتفاق جوبا حقوق أهل دارفور؟ الإجابة الصادمة: لم يضمن شيئاً سوى وظائف النخبة!

  • مناصب بلا صلاحيات: حصل مناوي على منصب “حاكم إقليم دارفور”، وحصل جبريل إبراهيم على “وزارة المالية”، وتوزعت وزارات ومقاعد في المجلس السيادي على بقية القادة.
  • الضحية المنسية: في المقابل، تُرك النازحون في معسكرات “كلمة” و”زمزم” يواجهون الجوع والموت. لم تُدفع تعويضات، ولم يُعاد المهجرين إلى حواكيرهم، ولم يُحاكم مجرمو الحرب. لقد باع قادة الحركات دماء مليوني نازح مقابل 25% من مقاعد السلطة التنفيذية في الخرطوم.

3/ “حصان طروادة” الدستوري: تمزيق الوثيقة الدستورية

أخطر ما في اتفاق جوبا أنه كان “انقلاباً دستورياً ناعماً”.

  • المادة 80: تم تعديل الوثيقة الدستورية لإنشاء مسخ مشوه يُسمى “مجلس شركاء الفترة الانتقالية”، هدفه إضعاف مجلس الوزراء المدني ونقل السلطة الفعلية إلى تحالف (العسكر + الحركات).
  • إلغاء المحاسبة: منح الاتفاق قادة الحركات استثناءات دستورية، فأسقط عنهم المساءلة، ومنحهم حق البقاء في السلطة طوال الفترة الانتقالية دون الخضوع لأي تقييم. لقد تم “تطعيم” الدستور بفيروس الكليبتوقراطية.

4/ الترتيبات الأمنية: تفخيخ الخرطوم وتأجير البنادق

بند “الترتيبات الأمنية” في جوبا لم يكن يهدف لدمج الجيوش وتأسيس جيش جديد وطني واحد، بل كان يهدف لـ “تقنين المليشيات”.

  • جيوش في العاصمة: سُمح لقادة الحركات بإدخال آلاف المقاتلين المدججين بالسلاح الثقيل إلى قلب الخرطوم (تحت لافتة حراسة الشخصيات أو قوات الحفظ).
  • توازن الرعب: أصبح مناوي وجبريل يمتلكان “جيوشاً خاصة” تمولها الدولة، وتُستخدم كأداة ضغط وابتزاز سياسي. لقد نقلوا “النهب المسلح” من صحاري شمال دارفور إلى شوارع الخرطوم، لينضم ل “النهب المصلح” وأصبحت الدولة السودانية رسمياً عبارة عن “كونفدرالية مليشيات” الكليبتوقراطية.

5/ “اعتصام القصر”: يوم دفع “الفلنقايات” فاتورة العسكر.

لم يتأخر قادة الحركات في سداد فاتورة المناصب للجنرالات.
في أكتوبر 2021، لعب مناوي وجبريل (وغيرهم من قيادات جوبا) دور “الكومبارس” في أسوأ مسرحية سياسية: اعتصام القصر (اعتصام الموز).

  • مخلب القط:
    في الوقت الذي عملت فيه الاستخبارات على إلهاء الدعم السريع بمشاكل قبلية مصطنعة في دارفور، استخدم البرهان قوات وحشود قادة الحركات لخنق الحكومة المدنية، وإغلاق شرق السودان (بالتنسيق مع ترك)، وخلق فوضى مصطنعة أخرى تبرر الانقلاب العسكري.
  • سقوط القناع: الرجلان اللذان رفعا سلاحهما لعشرين عاماً بحجة محاربة “المركز العسكري” وتهميش دارفور، هما من مهدا الطريق لانقلاب 25 أكتوبر 2021، الذي أعاد المركز العسكري للسلطة المطلقة!.
    لقد فضل مناوي وجبريل التحالف مع “الجلاد” الذي أباد أهلهم، على أن يخضعوا لحكم “مدني ديمقراطي” قد يجردهم من امتيازات البندقية.

الخلاصة: اتفاق جوبا.. رصاصة الرحمة على الدولة

“اتفاق جوبا” هو الدليل القاطع على أن النخب المسلحة في الهامش لا تختلف أخلاقياً عن النخب العسكرية في المركز. كلاهما يعاني من إدمان “السلطة والغنيمة”، وكلاهما يرى في الديمقراطية وحكم القانون تهديداً وجودياً لـ “شركاتهما الأمنية”.

لقد دخل مناوي وجبريل الخرطوم ليس كـ “محررين”، بل كـ “مستثمرين” في نادي الفساد.

ولكن، عندما تتكدس الجيوش، وتتعدد المليشيات، وتغيب الدولة، وتتضارب مصالح اللصوص.. ما الذي يحدث؟

النتيجة الحتمية هي حرب 15 أبريل 2023.

في المقال القادم والأخير من هذا الكتاب:

حصاد الكليبتوقراطية.. عندما اختلف اللصوص فاحترقت البلاد!

كيف قادت اتفاقية جوبا ببنودها السرية بين الجيش و مناوي وجبريل، وانقلاب 25 أكتوبر بشكل مباشر إلى انفجار حرب أبريل؟ وكيف يقف قادة الحركات اليوم متفرجين ينتظرون جثة المنتصر ليفاوضوه من جديد؟

إرسال التعليق

لقد فاتك