آدم أديب : لماذا يصمت العالم؟ الإسلاميون، الحرب السودانية، وأسئلة العدالة المؤجلة
مقدمة
كفى تضليلاً.
وكفى اختزالاً للحقيقة.
الحرب في السودان لم تسقط من السماء، ولم تولد من فراغ، ولم تبدأ يوم اختلف جنرالان على السلطة. هذه الحرب هي النتيجة الطبيعية لمشروع سياسي حكم البلاد ثلاثين عاماً بعقلية التنظيم لا الدولة، وبمنطق الإقصاء لا الشراكة، وبسلاح العقيدة لا عقد المواطنة.
ومع ذلك، يُراد اليوم تسويق رواية مبتورة: صراع عسكري آني بلا جذور، وأزمة طارئة بلا تاريخ، وكارثة بلا مسؤولين.
لماذا يخجل بعض الفاعلين الدوليين من تسمية الأشياء بأسمائها؟
لماذا يُطلب من السودانيين أن يناقشوا “وقف إطلاق النار” دون أن يناقشوا من بنى بنية النار نفسها؟
ولماذا تتحول دماء السودانيين إلى بند تفاوض في غرف المصالح الإقليمية؟
إن تجاهل المسؤولية التاريخية ليس حياداً، بل إعادة إنتاج للأزمة.
وتأجيل العدالة ليس براغماتية، بل استثماراً مؤقتاً في هشاشة مستقبل وطن بأكمله.
بنية الأزمة… لا لحظة الانفجار
الحرب الراهنة ليست حدثاً معزولاً، بل نتيجة مسار تأسس على:
تسييس الدين وإقحامه في الصراع على السلطة
تفكيك مؤسسات الدولة لصالح الولاء التنظيمي
عسكرة المجال العام
إضعاف الخدمة المدنية والقضاء
إدارة التنوع الوطني بمنطق أمني لا سياسي
المجتمع الدولي يدرك هذا السجل، لكنه غالباً ما يختزل المشهد في صراع راهن بين مراكز قوة عسكرية، متجاوزاً البنية التي أنتجت هذا الانفجار.
الاستقرار الذي لا يقوم على تفكيك جذور الأزمة ليس استقراراً، بل هدنة مؤقتة تسبق دورة عنف جديدة.
حسابات المصالح وصمت العواصم
السودان جزء من معادلات البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
ملفاته تتقاطع مع الأمن والهجرة والطاقة والنفوذ الإقليمي.
في مثل هذه السياقات، تميل العواصم الكبرى إلى البحث عن “شريك يمكن التعامل معه” لا عن عدالة كاملة.
وتفضّل إدارة التوازنات على تسمية المسؤوليات.
أما بعض المواقف الإقليمية، فقد تعاملت مع السودان كساحة نفوذ لا كوطنٍ لشعب يسعى إلى دولة مدنية ديمقراطية. فجاء خطابها عن “الاستقرار” خالياً من أي مساءلة واضحة لمن أسّسوا الأزمة.
الإسلاميون أمام سؤال الاعتراف
على الإسلاميين في السودان أن يخرجوا من منطقة المناورة إلى مساحة الاعتراف.
ثلاثون عاماً من الحكم ليست تفصيلاً عابراً.
هي مسؤولية كاملة عن بنية سياسية وأمنية وعسكرية واقتصادية أُعيد تشكيلها على أساس الولاء لا الكفاءة.
هي مسؤولية عن عسكرة السياسة، وتسييس المؤسسة العسكرية، وإضعاف مؤسسات الرقابة، وخلق بيئة انتهت بانفجار شامل.
السؤال اليوم ليس سؤال مشاركة في السلطة، بل سؤال مواجهة أخلاقية وسياسية:
هل تعترفون بأن مشروع التمكين كان خطأً استراتيجياً دمّر الدولة؟
هل تعترفون بأن تسييس الدين أضر بالدين قبل الدولة؟
هل تعترفون بأن هندسة الولاءات داخل مؤسسات السلاح ساهمت في تفكيكها؟
من دون هذا الاعتراف، سيبقى الحديث عن الاستقرار التفافاً على الحقيقة.
خاتمة تعبئة سياسية
هذه لحظة وضوح لا تحتمل الرماديات.
إما أن تُسمّى المسؤوليات بوضوح،
وإما أن يستمر تدوير الأزمة في صفقات مؤقتة.
إما أن يُفتح ملف المحاسبة بلا انتقائية،
وإما أن تبقى الدولة رهينة توازنات السلاح.
السودان لا يحتاج إلى إدارة حرب، بل إلى إنهاء أسبابها.
ولا يحتاج إلى تسوية تُرضي القوى، بل إلى مسار يُنصف الشعب.
إن التاريخ يُكتب الآن،
ومن يظن أن بإمكانه الهروب من صفحاته مخطئ.
فالدم لا يسقط بالتقادم،
والدولة لا تُبنى على الإنكار،
والشعب الذي دفع هذا الثمن لن يقبل إعادة إنتاج المأساة باسم الواقعية السياسية.
إما عدالة تؤسس لوطن جديد…
أو صمت يمدّد عمر الكارثة.
والخيار ليس أمام العالم وحده —
بل أمام السودانيين جميعاً.


إرسال التعليق