مجدي محمد : الكتاب الأول للثورة المسلحة في دارفور جذور الأزمة والهندسة الاجتماعية(8) - صوت الوحدة

مجدي محمد : الكتاب الأول للثورة المسلحة في دارفور جذور الأزمة والهندسة الاجتماعية(8)

حركة العدل والمساواة.. “الكتاب الأسود” الذي انتهى بـ “دفتر ضرائب” في بورتسودان!

عندما اندلعت حرب دارفور في 2003، ظهرت إلى جانب “حركة تحرير السودان” قوة عسكرية أخرى أكثر تنظيماً، وتدريباً، وتسليحاً، وتملك خطاباً سياسياً مكتوباً بعناية فائقة. إنها “حركة العدل والمساواة” بقيادة الطبيب والوزير الولائي السابق، الدكتور خليل إبراهيم.
خلافاً لمناوي وعبدالواحد اللذين انطلقا من مظلومية الجغرافيا، انطلق خليل إبراهيم من داخل العقل المدبر لنظام الخرطوم. لقد كان ابناً باراً لـ “الحركة الإسلامية”، وكادراً متقدماً في قوات “الدفاع الشعبي” التي حاربت في الجنوب.

سوّقت الحركة لنفسها على أنها مشروع “قومي” يهدف لإصلاح خلل الدولة السودانية، لكن التجربة العملية أثبتت أنها كانت مجرد محاولة لاستنساخ “كليبتوقراطية المركز”، ولكن بوجوه قادمة من “الهامش”.
هذا المقال يفكك التناقض الجوهري لحركة العدل والمساواة: كيف استخدمت “القومية” كقناع لجيش “قبلي” خالص؟ وكيف حوّل جبريل إبراهيم دماء الحركة من مشروع للسيطرة على القصر، إلى مجرد “ملحق ديكوري” لجمع الضرائب لصالح نظام البرهان؟

1/ خروج من عباءة “الشيخ”

لفهم جذور حركة العدل والمساواة، يجب أن نعود إلى عام 1999 (المفاصلة الشهيرة بين البشير والترابي).

  • صراع النخب، لا صراع الهامش: عندما أطاح البشير (وعلي عثمان) بالدكتور حسن الترابي، وجد الكادر الإسلامي الدارفوري (خليل إبراهيم) نفسه خارج دائرة الفعل السياسي، ومستبعداً من “كعكة السلطة” في المركز.
  • البندقية لاستعادة الكرسي: تمرد خليل إبراهيم لم يكن في جوهره “استيقاظاً مفاجئاً” لضميره تجاه تهميش دارفور (وهو الذي كان جزءاً من حكومة الإنقاذ في أوج بطشها)، بل كان استمراراً لصراع “قصر غردون” ولكن بأدوات خشنة من دارفور. كانت الحركة في بداياتها تُعتبر “الذراع العسكري” لحزب المؤتمر الشعبي (جناح الترابي)، قبل أن تستقل لاحقاً.

2/ “الكتاب الأسود”: كلمة حق يُراد بها “تمكين قبلي”

في عام 2000، أصدر خليل إبراهيم ورفاقه “الكتاب الأسود: ميزان السلطة والثروة في السودان”.

  • التشخيص العبقري: كان الكتاب وثيقة إحصائية دقيقة وصادمة، فضح بالأسماء والأرقام كيف احتكرت النخبة النيلية (الجلابة) 80% من الوظائف القيادية والثروة منذ عام 1956، تاركة فتات الموائد لبقية أقاليم السودان.
  • العلاج الكارثي (القبلية الحاضرة): رغم روعة التشخيص “القومي”، إلا أن التطبيق على الأرض كان قبلياً بامتياز. رفعت الحركة شعار “القومية”، لكن جيشها، وهيئة قيادتها، ومصادر تمويلها، وشبكاتها اللوجستية، كانت محصورة بنسبة تفوق 90% في فرع (الكوبة) من قبيلة (الزغاوة)!. كيف يمكن أن تقنع السودانيين بأنك مشروع “دولة مواطنة”، بينما لا يسمح تنظيمك بصعود أي قائد لا ينتمي لعشيرة المؤسس؟ لقد سقطت العدل والمساواة في نفس فخ “المركزية” الذي حاربته؛ أرادت استبدال “جلابة النيل” بـ “جلابة الصحراء”.

3/ غزوة أم درمان (2008): ذروة المجد.. وبداية الانتحار السياسي

في مايو 2008، نفذ خليل إبراهيم أجرأ عملية عسكرية في تاريخ التمرد السوداني: “عملية الذراع الطويل”.

  • الاختراق العسكري: قطعت قوات الحركة آلاف الكيلومترات من تشاد حتى وصلت إلى مدينة أم درمان، واشتبكت مع قوات النظام على مقربة من القصر الجمهوري.
  • العزلة السياسية: عسكرياً، أثبت خليل إبراهيم هشاشة نظام البشير. لكن سياسياً، كانت العملية “انتحاراً”. لماذا؟ لأن سكان الخرطوم لم يخرجوا لاستقبال قوات الحركة كـ “محررين”. نظر إليهم الشارع (حتى المعارضين للبشير) كـ “مليشيا قبلية غازية”. لقد دفع خليل إبراهيم ثمن تناقضه: لا يمكنك أن تبني جيشاً بصبغة “إثنية” مغلقة، ثم تتوقع أن تلتف حوله الجماهير “القومية”.

4/ عهد “جبريل”: من مشروع “دولة” إلى “شركة مقاولات”
في ديسمبر 2011، قُتل الدكتور خليل إبراهيم في غارة جوية (لا تزال تثير شكوكاً حول اختراقات داخلية وتواطؤ من أولي القربى). بمقتله، مات “الحلم الراديكالي” للحركة بالتغيير الجذري، وآلت القيادة لشقيقه: الدكتور جبريل إبراهيم.

  • البرغماتي المالي: جبريل لم يكن قائداً عسكرياً كشقيقه، بل كان خبيراً مالياً وبرغماتياً بارداً. أدرك أن الحسم العسكري مستحيل، وأن بقاء الحركة في الميدان مكلف.
  • الطريق إلى بورتسودان: قاد جبريل الحركة عبر مسارات الارتزاق في ليبيا (كما فعل مناوي)، حتى وصل إلى محطة “اتفاق جوبا” (2020)، ليحقق ما عجز عنه شقيقه: دخول الخرطوم، ليس فاتحاً على ظهر دبابة، بل موظفاً ببدلة رسمية.

5/ “جابي الضرائب”: الكليبتوقراطية تبتلع الثورة

في بورتسودان اليوم، يتربع جبريل إبراهيم على عرش “وزارة المالية”. هنا تكتمل الملهاة السودانية (Tragicomedy).

  • خيانة “الكتاب الأسود”: الرجل الذي ألف حزبه كتاباً ليفضح كيف ينهب “المركز” أموال “الهامش”، أصبح هو حارس الخزينة التي تمول آلة القمع العسكرية للبرهان!
  • اقتصاد الجباية: بدلاً من تفكيك “دولة 56” الاقتصادية، أصبح جبريل أشرس أدواتها. فرض ضرائب باهظة، وضاعف الرسوم الجمركية على المواطن المسحوق، ليجمع الأموال لتمويل المجهود الحربي لجيشٍ قصف بالأمس قراه في دارفور.
  • صراف آلي للفساد: لقد تحولت “حركة العدل والمساواة” في عهد جبريل إلى مجرد “ملحق ديكوري” لوزارة المالية. تخلت عن كل شعارات “المساواة”، واكتفت بالحصول على حصة من “الريع” عبر فرض الإتاوات على التجار والمواطنين.

الخلاصة: الثورة التي أصبحت “وكيل تحصيل”

حركة العدل والمساواة هي الدليل الساطع على أن الأزمة في السودان ليست مجرد “تهميش جغرافي”، بل هي أزمة “نخب” تشترك في نفس العقلية الكليبتوقراطية.

  • خليل إبراهيم بدأها بمشروع أيديولوجي قبلي أراد به حكم السودان.
  • وجبريل إبراهيم أنهاها كـ “وكيل تحصيل ضرائب” لصالح نفس النظام الذي قتل شقيقه.
    لقد باع جبريل ومناوي “الكتاب الأسود” و”المعسكرات” في سوق المحاصصة، ووقعا على وثيقة استسلام مبطنة تُسمى “اتفاق جوبا لسلام السودان”.

كيف تم هندسة هذا الاتفاق الكارثي؟ ولماذا يعتبره الخبراء “أكبر عملية سطو مسلح على الدستور وموارد الدولة”؟

في المقال القادم: اتفاق جوبا (2020).. عندما تقاسمت “مليشيات الهامش” و”جنرالات المركز” جثة السودان!

إرسال التعليق

لقد فاتك