بولس كون : جدلية المركز والهامش وتحديات العمل المشترك - صوت الوحدة

بولس كون : جدلية المركز والهامش وتحديات العمل المشترك

الكتلة التاريخية بين مشروع التأسيس وإعادة إنتاج الدولة

لم تعد الأزمة السودانية قابلة للاختزال في صراع عسكري أو تنافس سلطوي. نحن أمام انهيار بنية دولة تأسست تاريخيًا على احتكار المركز لتعريف الوطن، وإقصاء بقية مكوناته من صناعة القرار. هذه ليست أزمة حكومة، بل أزمة تأسيس.

جدلية المركز والهامش في السودان ليست توصيفًا احتجاجيًا، بل حقيقة بنيوية. المركز لم يكن مجرد موقع جغرافي، بل شبكة امتيازات ثقافية وسياسية وعسكرية واقتصادية، أعادت إنتاج نفسها عبر أنظمة مختلفة، مدنية كانت أم عسكرية.

السؤال اليوم ليس من يحكم الخرطوم، بل أي بنية دولة ستخرج من تحت ركام الحرب.

الكتلة التاريخية: ضرورة تفكيك لا تحالف مجاملة

حين استخدم غرامتشي مفهوم الكتلة التاريخية، كان يتحدث عن تحالف يُنتج هيمنة مستقرة. أما في السودان، فالكتلة التاريخية المطلوبة ليست لإنتاج هيمنة جديدة، بل لتفكيك هيمنة قديمة.

نحن لا نحتاج إلى تحالف انتخابي عابر، ولا إلى جبهة بيانات. نحتاج إلى كتلة ثقافية–سياسية–عسكرية–أخلاقية قادرة على:

كسر احتكار المركز لتعريف الهوية الوطنية؛

إعادة توزيع السلطة والثروة؛

حماية التحول من الإجهاض المسلح؛

وتحمل كلفة الصدام مع الامتيازات التاريخية.

أي صيغة أقل من ذلك هي إعادة تدوير للأزمة.

الهامش الذي يحرس المركز

أخطر ما أنتجته المرحلة الأخيرة ليس انقسام المركز، بل انقسام الهامش بعض القوى التي نشأت بوصفها تعبيرًا عن مظالم الهامش، وجدت نفسها موضوعيًا تقاتل في صف الدولة القديمة هذه القوى حصلت على مكاسب سياسية بموجب اتفاقية جوبا للسلام، وكان يمكن لتلك المكاسب أن تكون مدخلًا لتفكيك بنية المركز. لكن ما حدث هو العكس: تحولت المواقع إلى أدوات اندماج داخل الدولة نفسها التي ثارت عليها ليس الأمر خيانة شعاراتية، بل انزلاق بنيوي.

حين تصبح الأولوية حماية المنصب لا تغيير البنية، يتحول الهامش من قوة تفكيك إلى قوة حراسة.

بهذا المعنى، لم يعد المركز يحارب فقط بأدواته التقليدية، بل عبر قوى هامشية تم استيعابها داخل منطقه. وهذا أخطر أشكال إعادة إنتاج الدولة: أن يقاتل ضحاياها دفاعًا عن استمرارها.

الامتياز بوصفه آلية احتواء

الدولة القديمة لم تسقط لأنها لم تكن مجرد أشخاص في السلطة، بل منظومة امتيازات. وكل منظومة امتياز تعرف كيف تعيد توزيع بعض المكاسب لاحتواء خصومها.

اتفاقيات السلام الجزئية، إن لم ترتبط بمشروع تأسيسي شامل، تتحول إلى آليات احتواء. تمنح نصيبًا من السلطة دون المساس بجوهر الدولة. وهنا يتولد الوهم: وهم المشاركة داخل بنية لم تتغير.

السؤال الصريح الذي يجب طرحه اليوم:

هل دخلت بعض قوى الهامش السلطة لتغير الدولة، أم لتجد لنفسها موقعًا داخلها؟

الحرب كاختبار أخلاقي

الحرب الحالية كشفت أن المركز ليس كتلة صماء، لكنه أيضًا أثبت قدرته على إعادة الاصطفاف حين تُهدد بنيته العميقة. في المقابل، أثبتت قوى التغيير أنها لم تحسم بعد خيارها بين التأسيس والتكيف.

في هذا السياق، لا يمكن الحديث عن عمل مشترك دون وضوح سياسي.

تحالف السودان التأسيسي ليس مبادرة علاقات عامة، بل يجب أن يكون إعلان قطيعة مع الدولة القديمة، لا إعادة تموضع داخلها.

السودان الجديد: من الرؤية إلى القوة

حين طرح د. جون قرنق مشروع السودان الجديد، لم يكن يسعى إلى تحسين شروط المشاركة في المركز، بل إلى إعادة تعريفه جذريًا. كان المشروع قائمًا على تفكيك احتكار الهوية والسلطة معًا.

اليوم، إحياء السودان الجديد لا يعني ترديد شعاراته، بل بناء الكتلة التاريخية القادرة على حمله. السردية موجودة، لكن القوة الاجتماعية–السياسية الحاملة لها لم تكتمل بعد…. 

إعلان الموقف

اللحظة لا تحتمل المنطقة الرمادية.

إما أن تتشكل كتلة تاريخية واضحة المعالم، تُعلن التزامها بتفكيك الدولة القديمة وإعادة تأسيسها على قاعدة سودانوية تتوجه نحو موضعها الطبيعي في أفريقيا 

وإما أن تستمر قوى الهامش في التنازع على مواقع داخل البنية نفسها التي همشتها

لا يمكن الجمع بين الامتياز والتأسيس

ولا يمكن حماية مكاسب جزئية في دولة منهارة بينما يُؤجل سؤال إعادة البناء

إن لم تُحسم هذه المفارقة الآن فإن الحرب ستنتهي كما انتهت حروب سابقة بتسوية تعيد توزيع المقاعد، لا بإعادة كتابة العقد الاجتماعي.

والتاريخ، في السودان، أثبت أن التسويات التي لا تمس الجذر تعيد إنتاج المأساة.

إرسال التعليق

لقد فاتك