مجدي محمد : الكتاب الأول للثورة المسلحة في دارفور جذور الأزمة والهندسة الاجتماعية(7) - صوت الوحدة

مجدي محمد : الكتاب الأول للثورة المسلحة في دارفور جذور الأزمة والهندسة الاجتماعية(7)

الهروب الكبير نحو “سوق النخاسة”.. كيف تحول “المناضل” إلى “مرتزق” في رمال ليبيا؟

بحلول عام 2010، اكتشف مني أركو مناوي داخل جدران القصر الجمهوري حقيقة سياسية قاسية: الكليبتوقراطية في الخرطوم لا تشتري الحلفاء ليشاركوها الحكم، بل “تستأجرهم” لمهمة محددة، ثم تلقي بهم في سلة المهملات.

لقد استنفدت الدولة غرضها منه؛ شقت به صفوف التمرد، وميعت به الضغوط الدولية، ثم بدأت آلتها الأمنية في تجريده من مخصصاته وتجفيف منابع قواته المالية. أدرك “كبير المساعدين” أن رصيده قد نفد، وأنه بلا سلطة في المركز، وبلا حاضنة شعبية في دارفور التي لفظته بعد أن تلوثت يداه بدماء رفاقه.

لم يكن أمامه سوى إعلان “وفاة اتفاق أبوجا” والهروب الصامت من الخرطوم. لكن السؤال الذي يطرحه التحليل السياسي والاقتصادي للصراع هو: إلى أين يهرب قائدٌ فقدَ بوصلته الأخلاقية وأرضه؟
لم يذهب مناوي إلى معسكرات النازحين ليعتذر، ولم يتجه إلى جبال دارفور ليقاتل المركز. بل أخذ ما تبقى من “رأس ماله” (السيارات والمقاتلين) واتجه شمالاً نحو سوق الارتزاق الإقليمي الأكبر: ليبيا.

هذا المقال يفكك “الاقتصاد السياسي للارتزاق”، وكيف تحولت حركة ترفع شعار “تحرير السودان” إلى مجرد “بندقية للإيجار” تقاتل بالوكالة تحت إمرة اللواء المتقاعد خليفة حفتر.

1/ الخروج من “القفص الذهبي”: عندما يطرد الجلابة حارسهم

لفهم دوافع الهروب، يجب قراءة العقلية الأمنية لـ “نخب الجلابة” في المركز:

  • صناعة البديل الأرخص: بينما كان مناوي غارقاً في بروتوكولات القصر، كانت الاستخبارات العسكرية قد اكملت تصنع “البديل الارخص” من مليشيات فصائل تحرير السودان. هؤلاء كانوا أرخص تكلفة، ولا يطالبون بمناصب سيادية.
  • التجفيف المالي: استخدمت الخرطوم سلاح “الرواتب”. تم إيقاف ميزانيات قوات مناوي التي كانت تُصرف تحت بند “الترتيبات الأمنية”، مما أدى لحالة غليان وسط جنوده.
  • قرار الهروب: في أواخر 2010، تسلل مناوي خارج الخرطوم. لكنه كان يعلم أن البقاء في دارفور يعني الانتحار؛ فالجيش يطارده، وحركة عبدالواحد تتحين الفرصة للانتقام منه، والجنجويد يسيطرون على الأرض. كان لا بد من البحث عن “كفيل جديد” خارج الحدود.

2/ الهجرة إلى السماء ذات البروج. “سوق الارتزاق”: ليبيا كـ “شركة مساهمة”.

ليبيا الممزقة بعد سقوط معمر القذافي (2011) كانت البيئة النموذجية لـ “اقتصاديات العنف”. أموال طائلة، ونفط بلا حراسة، وفصائل متناحرة تبحث عن مشاة متمرسين على حرب الصحراء.

  • البندقية للإيجار: وجدت قوات مناوي (ومعها فصائل أخرى) ضالتها في الشرق الليبي. تحولت الحركة من “تنظيم ثوري” إلى ما يشبه الشركة العسكرية الخاصة (PMC).
  • عقد العمل الجديد: المعادلة كانت بسيطة، وقد وثقتها تقارير (لجنة خبراء الأمم المتحدة المعنية بليبيا): “نحن (المرتزقة الدارفوريون) نوفر لكم المشاة المتمرسين لحماية قاعدة الجفرة والهلال النفطي وخطوط الإمداد، وأنتم (قوات حفتر والمحور الإقليمي الداعم له) توفرون لنا الدولارات، والسيارات المصفحة، والأسلحة المتطورة”.

3/ التراكم الرأسمالي بالدم: أخلاق “النهب المسلح” في ثوب جديد

في رمال ليبيا، سقطت آخر أوراق التوت الأيديولوجية عن “حركة تحرير السودان”.

  • الاستثمار المالي: لم تكن حرب مناوي في ليبيا تهدف لدعم “الديمقراطية” هناك، ولا لتحرير دارفور. كانت “استثماراً رأسمالياً” بحتاً. قاتل أبناء الزغاوة والقبائل الدارفورية الأخرى في صحاري (سرت) و(الجفرة)، لجمع الثروة لقيادة الحركة التي تدير هذا “المسلخ العابر للحدود”.
  • تحديث الأسطول: استخدم مناوي عائدات الارتزاق لشراء أسطول ضخم من سيارات الدفع الرباعي الجديدة، وأسلحة مضادة للدروع، وأجهزة اتصال. لقد أعاد بناء “شركته العسكرية” بتمويل أجنبي خالص، على حساب دماء أبناء الهامش الذين تم شحنهم كـ “أكياس رمل” لحماية آبار النفط الليبية.
  • التناقض الفاضح: كيف يمكن لمن يدعي محاربة “الجلابة” والمركزية العروبية، أن يؤجر بندقيته لجنرال عربي (حفتر)، في بيئة تمارس أبشع أنواع الاستعلاء والقمع ضد الأفارقة؟
    الإجابة بسيطة: لا توجد قضية، يوجد فقط “عرض وطلب” في سوق النخاسة.

4/ الانفصال عن المأساة: مقاتل من أجل لا شيء

من منظور سوسيولوجي، يمثل “الارتزاق” أسوأ مراحل الانحطاط للتنظيمات المتمردة.

  • العامل المُياوِم: الجندي في حركة مناوي لم يعد مناضلاً، بل أصبح “عامل يومية” (Day Laborer) في مصنع الموت. يُرسل للقتال في بلد لا يعرفه، وضد فصائل ليبية لا تعاديه، ليموت في صمت، فقط من أجل أن يشتري قائده عقاراً جديداً أو سيارة فارهة في عواصم الجوار.
  • خيانة المعسكرات: بينما كان مناوي يكدس ملايين الدولارات، و يستثمرها في اقتصاديات جنوب السودان وشرق وغرب أفريقيا، ويعيد تسليح قواته عبر دماء الليبيين و عوائد الاستثمار، كان النازحون في معسكرات دارفور يموتون من انعدام الدواء وتُستباح قراهم. لقد انفصل “المشروع الاستثماري للحركة” انفصالاً تاماً ومطلقاً عن “المأساة الإنسانية للإقليم”.

5/ العودة بغنائم الارتزاق: الطريق إلى “صفقة جوبا” (2020)

لم تبق قوات مناوي في ليبيا للأبد. مع سقوط نظام البشير في 2019، أدرك مناوي أن “السوق السياسي” في السودان قد انفتح من جديد، وأن بضاعته مطلوبة.

  • الاستثمار في الفوضى: عاد مناوي من ليبيا بجيش ضخم، مجهز بأحدث العتاد الذي مولته أموال الارتزاق الإقليمية. هو لم يعد ليقاتل المركز العسكري، بل عاد بـ “قوة خشنة” تمنحه مقعداً متقدماً في مائدة المحاصصة الجديدة: اتفاق جوبا (2020).
  • إعادة التدوير: السلاح والأموال التي جمعها من كونه “مرتزقاً” في ليبيا، هي ذاتها التي استخدمها كأداة ابتزاز (Leverage) ليُنصّب نفسه “حاكماً لإقليم دارفور” متحالفاً مع البرهان. إنها نفس دورة “أبوجا” تتكرر حرفياً، ولكن هذه المرة برأس مال ليبي!

الخلاصة: “الفلنقاي” لا يتغير.. فقط يُغير “الكفيل”!

مرحلة ليبيا تثبت بشكل قاطع للتاريخ أن حركة مناوي (بعد حسكنيتة) لم تكن يوماً مشروعاً سياسياً قابلاً للحياة، بل كانت “ظاهرة أمنية قابلة للإيجار”.
عندما فشلت في حكم دارفور، ذهبت لخدمة الجلابة في القصر (أبوجا). وعندما طردها الجلابة، ذهبت لخدمة المحاور الإقليمية في ليبيا.
المبدأ الوحيد الثابت لدى “الجنرال الفلنقاي” هو: البندقية يجب أن تدر دخلاً، سواء كان هذا الدخل من وزارة المالية في الخرطوم، أو من غنائم النفط في الهلال الليبي. ولكن، هل كانت حركة مناوي هي الوحيدة التي مارست هذه الانتهازية السياسية؟

ماذا عن “حركة العدل والمساواة” التي ادعت القومية، ورفعت راية الإسلام، ثم تحولت إلى مجرد “جابي ضرائب” في بورتسودان؟

في المقال القادم: حركة العدل والمساواة.. “القومية المؤجلة، والقبيلة الحاضرة”.

كيف أسس “خليل إبراهيم” حركة “قومية” بقيادة زغاوية خالصه؟ وكيف حوّل شقيقه “جبريل إبراهيم” دماء الحركة من مشروع للسيطرة على الدولة، إلى مجرد ملحق ديكوري لوزارة المالية في نظام البرهان و علي كرتي.

إرسال التعليق

لقد فاتك