آدم أديب : بين الصفقة والعدالة:هل تنازلت الحركات عن محاسبة الماضي مقابل مقاعد السلطة؟ - صوت الوحدة

آدم أديب : بين الصفقة والعدالة:هل تنازلت الحركات عن محاسبة الماضي مقابل مقاعد السلطة؟


في لحظات التحول الكبرى، تُختبر الحركات السياسية ليس فقط بقدرتها على التفاوض، بل بمدى وفائها للعدالة التي رفعتها شعارًا. والسودان اليوم يقف أمام سؤال أخلاقي ثقيل يتجاوز الحسابات التكتيكية: ماذا حدث لملف محاسبة رموز النظام السابق في خطاب وممارسة بعض الحركات المسلحة التي كانت في طليعة المطالبين بالمحاكمة؟
من مطلب العدالة إلى صمت الشراكة
لسنوات، رفعت حركات دارفور وغيرها شعار محاكمة المسؤولين عن الانتهاكات، وطالبت بتسليم المطلوبين للعدالة، سواء الوطنية أو الدولية. كان ذلك جزءًا من شرعيتها الأخلاقية والسياسية.
لكن بعد إعادة تشكيل التحالفات، وخاصة عقب 25 أكتوبر، خفَتَ صوت هذا المطلب في خطاب بعض تلك الحركات. لم يعد ملف المحاسبة يحتل ذات الموقع المركزي في أولوياتها السياسية، وبرزت بدلاً عنه لغة الشراكة والترتيبات الانتقالية.
وهنا يبرز السؤال الصريح:
هل تراجعت هذه الحركات عن مطلب محاكمة رؤوس النظام السابق؟
أم أن حقوق ضحاياها تم إدراجها ضمن تسوية سياسية أوسع؟
في القاموس السياسي الأخلاقي
الفرق بين الواقعية السياسية والتنازل الأخلاقي دقيق لكنه حاسم.
الواقعية قد تفرض مراحل متدرجة لتحقيق العدالة.
لكن التنازل الأخلاقي يحدث حين تتحول العدالة من مبدأ غير قابل للمساومة إلى بند قابل للتأجيل المفتوح أو المقايضة.
إذا كانت العدالة الانتقالية قد أُجلت ضمن رؤية وطنية واضحة ومعلنة، فذلك مسار يمكن مناقشته.
أما إذا تراجعت المطالب تحت ضغط حسابات السلطة، فإن ذلك يُضعف شرعية الخطاب السابق، ويُدخل الحركات في دائرة الشك الشعبي.
هل تمت مقايضة الذاكرة بالموقع؟
أخطر ما يمكن أن يحدث في سياق التحولات السياسية هو أن يشعر الضحايا بأن قضيتهم لم تعد أولوية.
فالانتهاكات التي ارتُكبت بحق المجتمعات المحلية لم تكن مجرد وقائع عابرة، بل جراحًا مفتوحة في الوعي الجمعي. وإذا لم تُطرح آلية واضحة للمحاسبة، فإن الصمت السياسي يُقرأ باعتباره تنازلًا، حتى لو لم يُعلن كذلك صراحة.
التاريخ يعلمنا أن العدالة المؤجلة دون إطار زمني واضح تتحول غالبًا إلى عدالة منسية.
الدولة بين العدالة والاستقرار
البعض قد يجادل بأن الأولوية اليوم للاستقرار وإنهاء الحرب. لكن الاستقرار الذي يتجاوز العدالة دون معالجتها، يظل استقرارًا هشًا.
لا يمكن بناء دولة قانون عبر تسويات تُبقي ملفات الانتهاكات خارج الطاولة.
ولا يمكن لحركة نشأت على شعار العدالة أن تحتفظ بمصداقيتها إذا لم توضح موقفها من محاسبة من كانوا خصوم الأمس.
خاتمة
السؤال المطروح ليس اتهامًا، بل استحقاقًا سياسيًا وأخلاقيًا:
هل ما زالت العدالة جزءًا من مشروع الحركات المسلحة؟
أم أن معادلة السلطة أعادت ترتيب الأولويات؟
في القاموس السياسي الأخلاقي، لا تُختبر الحركات بقدرتها على الوصول إلى الحكم،
بل بقدرتها على حماية حقوق من حملت قضاياهم.
والسودان اليوم يحتاج إلى وضوحٍ في الإجابة،
حتى لا تتحول العدالة من وعدٍ تاريخي… إلى ذكرى مؤجلة.

إرسال التعليق

لقد فاتك