مليح يعقوب : “الردّة الفكرية وسقوط الأقنعة: محمد جلال أحمد هاشم نموذجاً لانتكاس النخبة السودانية”
إن المتأمل في المتناقضات الصارخة التي يطلقها الدكتور محمد جلال أحمد هاشم مؤخراً، يكتشف أنه لا يواجه مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل يعاني من “ارتداد معرفي” كامل. لقد ظهرت عليه الأعراض الأولية لهذا الانفصام مع مخاض ثورة ديسمبر، لكنها بلغت ذروتها في ظل الصراع الحالي بين “قوات الدعم السريع” وتحالف “الإسلامويين” داخل المؤسسة العسكرية. هذا السقوط المريع سيعجل بخروجه من المشهد التاريخي “بخُفَّي حنين”، بعد أن اختار الارتماء في أحضان النخبة المركزية التي قضى عمره مدعياً تفكيكها.
أولاً: التمرد على “الذات المنهجية” ترجّل محمد جلال كلياً عن قطار التغيير، معلناً تمرده الرسمي على “جدلية المركز والهامش” التي صاغها رفيقه أبكر. تلك الجدلية لم تكن مجرد ترف فكري، بل كانت “مشرطاً جراحياً” شخّص أزمة الدولة السودانية ببراعة. وبينما نجح الطلاب المستقلون في الجامعات في تحويل هذه الشفرات العصية إلى وعي ثوري في أركان النقاش، نجد محمد جلال اليوم يعيد إنتاج خطاب “دولة الامتياز” التي حذر منها أبكر، محاولاً نفخ الروح في جسد “دولة 56” المتهالك.
ثانياً: خطيئة التذويب.. من “المستقلين” إلى “المؤتمر السوداني”
من الأخطاء الاستراتيجية الفادحة التي قصمت ظهر الاستنارة في السودان، كانت عملية “تذويب” مؤتمر الطلاب المستقلين داخل منظومة “حزب المؤتمر السوداني”. كان تحالفاً غير متكافئ، أدى لذوبان مشروع فكري واعد في مؤسسة سياسية “مكسورة الجناح”. لقد أثبتت التجربة أن هذا الحزب لم يكن سوى “نسخة معدلة” لمنظومة المركز، يتجمل بقضايا الهامش تكتيكياً، بينما يظل وفياً لبنية الدولة القديمة استراتيجياً. وما انفضاض الكوادر الشابة عنه إلا دليل على اكتشافهم أن الحزب يمارس “الاستهبال السياسي” ذاته الذي كانت تمارسه الأنظمة الشمولية.
ثالثاً: مفارقة التحليل الثقافي والسقوط في فخ “العنصرية المضادة”
يبرز التناقض الصارخ في استغلال محمد جلال لمنهج “التحليل الثقافي”؛ فبعد أن كان يحلل “الجلابة” ككتلة اقتصادية طفيلية ورثت امتيازاتها منذ قرون، نراه اليوم يتحول إلى “حرباء سياسية”. ففي عهد “حمدوك”، تستر خلف “الجذرية” لدفع الشباب نحو العدمية السياسية، أما في حرب أبريل، فقد تحول إلى محرض على “المقاومة الشعبية”، في محاولة بائسة لإعادة إنتاج أبناء الهامش كحطب نار لحماية دولة الامتياز. إن هذا التحول يذكرنا بأسطورة “فني” الذي استخدم “الأوسام” لتحريض أهله على حرب عبثية قضت على كل شئ. محمد جلال اليوم يمارس ذات التحريض، محاولاً الالتفاف على “حتمية التغيير” بعد أن أدرك اقتراب نهاية العهد القديم.
رابعاً: لصوص الثورات ومنطق “الموزة المقشرة”
إن العيب ليس في المناهج، بل في “سيكولوجيا النخبة” التي تدعي التقدمية وتغرق في التقليدية. ويظهر ذلك جلياً في خطاب من يسيرون في فلكه، ممن يحاولون نزع الشرعية عن قوى التغيير الخشنة بدعوى أن “الديمقراطية لا تأتي بالبندقية”. هذا “المنطق المبتور” يتجاهل أن ديمقراطيات عظمى لم تترسخ إلا بعد انتزاع الحقوق وفرض “الفيدرالية” كعقد اجتماعي جديد. هؤلاء هم “لصوص الثورات”؛ ينتظرون هزيمة القوى الصاعدة ليأتوا ويحكموا بأسلوب “قام من نومو لقى كومو”، بينما “الخيل تجقلب والشكر لحماد”.
الخاتمة:
إن انضمام محمد جلال أحمد هاشم لمنظومة الخطاب “القديم” هو المسمار الأخير في نعش “المثقف الانتهازي”. إن السودان اليوم يتجاوز هذه النخب “بسنوات ضوئية”؛ فالشارع الذي يبحث عن الفيدرالية الحقيقية وتوزيع السلطة والثروة، لم يعد يثق فيمن يكتبون النظريات نهاراً ويبيعونها في مواخير السياسة ليلاً.



إرسال التعليق