عبدالولي الصديق : العائدين من جنوب السودان: بين مطرقة الانفصال وتكرار ماساة النزوح واللجوء .. صراع متجدد من أجل البقاء - صوت الوحدة

عبدالولي الصديق : العائدين من جنوب السودان: بين مطرقة الانفصال وتكرار ماساة النزوح واللجوء .. صراع متجدد من أجل البقاء

تُمثل قضية “العائدين” في السودان فصلاً معقداً ومؤلماً في تاريخ البلاد الحديث، وهي قصة تتشابك فيها خيوط السياسة بالنسيج الاجتماعي الهش وتتفاقم معاناتها مع كل أزمة جديدة. هؤلاء المواطنون، الذين وجدوا أنفسهم على خطوط التماس الجغرافية والسياسية يخوضون صراعاً مريراً من أجل الاستقرار وإثبات الهوية والبقاء.
يمكن تحليل رحلتهم الممتدة عبر مرحلتين أساسيتين بعد الانفصال في العام ٢٠١١ والأخرى أثناء هذه الحرب لكل منهما تحدياتها وظروفها القاسية.

أولاً: العودة بعد الانفصال وتقدير المصير للجنوبيين .. صدمة الواقع

في عام 2011، جاء انفصال جنوب السودان كقرار سياسي أعاد رسم خريطة البلاد، لكنه في الوقت ذاته رسم مصائر مئات الآلاف من الأفراد الذين لم يكن لهم في الأمر يد. مجموعات كبيرة من السودانيين، الذين كانت حياتهم ومصالحهم تمتد عبر الحدود الجديدة، وجدوا أنفسهم فجأة “أجانب” في أرض كانوا يعتبرونها وطناً. دفعهم هذا الوضع الجديد إلى اتخاذ قرار العودة إلى “الشمال”، حاملين معهم آمالاً في الاستقرار والاندماج السريع في وطنهم الأم.

لكن ما كانوا يتوقعونه ويأملونه من حكومة الإنقاذ آنذاك، سواء على المستوى المركزي أو على مستوى الولايات، اصطدم بواقع مرير. فبدلاً من الاحتواء والدعم، بدأت رحلة صراع جديدة من أجل الحصول على أبسط مقومات الحياة. عانى العائدون من صعوبات في إثبات الهوية، والحصول على الأراضي، والوصول إلى الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة، مما أدخلهم في دوامة من التهميش والصراعات المحلية من أجل الاستقرار.

ثانياً: اللجوء العكسي والعودة الثانية.. مأساة الحرب الأخيرة

مع اندلاع الحرب الأخيرة في السودان ودخول قوات الدعم السريع إلى مناطق حيوية مثل الدالي والمزموم والمناطق المجاورة في ولاية النيل الأزرق، انقلبت المعادلة بشكل مأساوي. السكان الذين كانوا قد عادوا أو استقروا في هذه المناطق وجدوا أنفسهم نازحين مرة أخرى، والغريب في الأمر أن وجهتهم هذه المرة كانت جنوب السودان، البلد الذي غادروه قبل عقد من الزمان.

على عكس تجربتهم السابقة وجد هؤلاء النازحون ترحيباً كبيراً في جنوب السودان من أهلنا الجنوبيين حيث تم التعامل معهم كمواطنين يستحقون الضيافة في بلدهم الثاني وليس كأجانب هنا لابد لنا نحي أهلنا في جنوب السودان حكومتاََ وشعباََ على هذا الصنيع والمعروف الجميل الذي قدموها لاهلنا في هذه الظروف العصبيه وبعد أن تمكنت القوات المسلحة السودانية من تحرير مناطقهم قرر عدد كبير منهم العودة مجدداً بينما بقي آخرون في الجنوب يرهنون عودتهم باستقرار الأوضاع وتوفيق أوضاع من سبقوهم
من اهلهم

لكن هذه العودة الثانية كانت بمثابة صراع من نوع آخر. لقد فقدوا كل ما يملكون حتى تلك المعينات البسيطة التي كانت تكفيهم حد الكفاف سلبت منهم بفعل الحرب والمختلف هذه المرة هو الزيادة الهائلة في أعدادهم حيث انضم إليهم نازحون جدد من مناطق أخرى مثل التضامن في إقليم النيل الأزرق حيث لم يستطيعوا ان يرجعوا الي مناطقهم بسبب التغيرات والاحتقان الكبير الذي حدث في البنيه المجتمعيه وتصدير خطاب كراهيه ضد البعض منهم حيث تجمعوا في مناطق تتبع لمحلية الدالي والمزموم مثل والترو، وويركت، وجبل ابورواق والمجاور وابوعريف وابقرود كل هؤلاء المواطنين القدامى والجدد يعانون اليوم من نقص حاد في كل مقومات الحياة لا مأوى آمن ولا مياه صالحة للشرب ولا أي سبل إعانة تساعدهم على مواجهة قسوة الحياة التي ازدادت تعقيداً بعد أن سلبتهم الحرب كل شيء

ثالثاً: جهود الحكومة في ولاية سنار.. بين الغياب والرمزية

في مواجهة هذه الكارثة الإنسانية المتفاقمة يبرز غياب الدور الفاعل للدولة وحكومه ولاية سنار التي تستضيف أعداداً هائلة من هؤلاء العائدين. على الرغم من المعاناة الواضحة التي يعيشها هؤلاء المواطنون لم تُحرك حكومة الولاية ساكناً بشكل يتناسب مع حجم الأزمه خاصة بعد تحرير المناطق وعودة المجتمعات إليها

الخطوة الوحيدة التي تم تسجيلها حتى الآن من حكومة ولاية سنار كانت عبارة عن قافلة إغاثية تحركت باسم العائدين الي المزموم وبعض القرى المجاوره ورغم أننا نُثمن هذه المبادرة إلا أن الطابع الإعلامي للقافلة كان أكبر من أثرها الإنساني حيث كانت محتوياتها لا تكفي لتغطية احتياجات قرية واحدة من تلك المجتمعات المنكوبة إن هذه الخطوة على رميتها يجب أن تكون بداية لعمل جاد ومستمر يغطي احتياجات ويلبي متطلبات هذه المجتمعات لا مجرد حدث عابر لذلك نناشد الحكومة على المستويين الولائي والمركزي بالإضافة إلى المنظمات المحلية والدولية إيلاء اهتمام كبير وتدخل فوري وعاجل لملف العائدين وتحريك كافة الجهود الإنسانية

رابعاً: رؤية اتحاد شباب العائدين لإدارة الأزمة

من منطلق إدراكنا لعمق الأزمة في مناطقه العائدين وفي ظل الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد من حرب نسال الله ان ينصر القوات المسلحة السودانيه وان يعم الأمن والأمان والاستقرار على وطنا السودان
نؤمن في “اتحاد شباب العائدين” أن الحاجة الإنسانية لا يمكن أن تنتظر. لقد أظهر أهلنا العائدون صبراً يفوق الوصف ولكن لكل صبر حدود لذلك نقترح خطة واضحة لإدارة هذا الملف بشكل فعال:

  1. أولوية إنسانية عاجلة: يجب على حكومة ولاية سنار أن تضع ملف العائدين على رأس أولوياتها مع التركيز الفوري على توفير الغذاء والدواء للفئات الأكثر حوجة خاصة الأدوية المنقذة للحياة.
  2. مفوض عون انساني خاص بالعائدين :
    نظراً للأعداد الهائلة للعائدين لم يعد من الممكن إدراجهم ضمن الحصص المخصصة للمحليات فيما يخص حصص العون الإنساني نطالب بتعيين مفوض عون إنساني خاص بهم لضمان وصول المساعدات بشكل عادل وكافٍ.
  3. هيكلة وتمثيل إداري:
    من الضروري تعيين مفوض أو منسق خاص بالعائدين في الولاية تكون مهمته الأساسية البدء بعملية إحصاء دقيقة وترتيب ملفاتهم وعكس قضاياهم احتياجاتهم الحقيقية للجهات المسؤولة وفق اليات واضحه متفق عليها
  4. تمكين القيادات الشبابيه للعائدين : يمتلك مجتمع العائدين كفاءات وقيادات شبابية وادارات قادرة على إدارة شؤونهم وقضاياهم بنزاهة وفعالية يجب تمكينهم من إدارة هذا الملف بأنفسهم بعيداً عن الموظفين وتضارب المصالح الافنديه التي قد لا تدرك حجم معاناتهم إن إشراكهم هو الضمانة الحقيقية لنجاح أي جهود تهدف لإنهاء هذه المأساة الإنسانية المعقدة

إن قضية العائدين ليست مجرد ملف إنساني بل هي قضية مواطنة وكرامة والتعامل معها بجدية ومسؤولية هو اختبار حقيقي لمدى تماسك الدولة والمجتمع في مواجهة أصعب التحديات

إرسال التعليق

لقد فاتك