عمار سعيد : مستريحة… نهاية أسطورة “الخنجر المسموم” وبداية تفكيك هندسة الفتنة في دارفور - صوت الوحدة

عمار سعيد : مستريحة… نهاية أسطورة “الخنجر المسموم” وبداية تفكيك هندسة الفتنة في دارفور

لم تكن مستريحة يومًا مجرد بقعة جغرافية في شمال دارفور؛ كانت عنوانًا لمرحلة كاملة من إدارة الصراع في السودان عبر تفويض الانقسام، وتغذية التوترات المحلية، وتحويل الزعامات الأهلية إلى أدوات في معادلات أكبر منها. ومع التحولات الأخيرة في المنطقة، يعود السؤال الأهم: هل نحن أمام نهاية “رمزية” لمرحلة، أم بداية فعلية لتفكيك إرث طويل من هندسة الفتنة؟

بين الزعامة الأهلية وتسييس القبيلة

ارتبط اسم موسى هلال بمستريحة حتى أصبحت المنطقة مرادفًا له. لكن صعوده لم يكن حدثًا منفصلًا عن سياسات المركز في الخرطوم منذ اندلاع حرب دارفور مطلع الألفية. فقد اعتمدت الدولة آنذاك على تسليح وتعبئة قوى محلية تحت لافتات متعددة، ما أفضى إلى تداخل خطير بين الإدارة الأهلية والعمل العسكري والسياسي.

ومع مرور الوقت، تحولت مستريحة إلى نقطة ارتكاز في معادلة شدّ الحبل بين المركز والهامش؛ تُستخدم كلما احتاجت السياسة إلى ورقة ضغط قبلية، أو إلى إعادة خلط الأوراق داخل الإقليم.

محاولات نزع فتيل الأزمة… صوت العقل الذي سبق الرصاص

غير أن الصورة لم تكن أحادية. فقد شهدت السنوات الماضية محاولات متكررة من الإدارات الأهلية، ووجهاء القبائل، وأعيان المنطقة لنزع فتيل التوتر. عُقدت لقاءات، وأُطلقت مبادرات صلح، وسعت شخصيات اجتماعية ذات وزن تاريخي إلى احتواء التصعيد ومنع انزلاق الخلافات السياسية إلى صراع أهلي.

كانت الرسالة واضحة من تلك القيادات التقليدية: دارفور أنهكتها الحرب، ولا تحتمل جولة جديدة تُدار باسم القبيلة. لكن تلك المساعي كثيرًا ما اصطدمت بتصريحات مستفزة، ومواقف تصعيدية، واصطفافات غذّاها خطاب تعبوي في بعض المنصات الرقمية والإعلامية.

طول الحلم وتغليب معركة الوطن

في المقابل، برز موقف قيادات تحالف تأسيس، ممثلة في قيادة قوات الدعم السريع، التي — بحسب خطابها السياسي — شددت مرارًا على أن معركتها ليست مع قبيلة أو مكوّن اجتماعي، بل مع مشروع سياسي تعتبره مسؤولًا عن إشعال الحرب وإدامة الفوضى.

ورغم التصريحات المتوترة التي صدرت في فترات مختلفة، حافظت تلك القيادات — وفق روايتها — على قدر من ضبط النفس، وتعاملت مع الاستفزازات باعتبارها جزءًا من محاولة جرّ الصراع إلى مربع قبلي. كان الرهان، كما عبّرت عنه قياداتها في أكثر من مناسبة، أن المعركة “معركة تحرير وطن”، لا مجال فيها لتحويل القبيلة إلى وقود.

هذا التمييز بين الصراع السياسي والانتماء الاجتماعي يمثل فارقًا جوهريًا. إذ أن تحويل أي مواجهة إلى صراع قبلي يعني إعادة إنتاج الحلقة نفسها التي أدخلت دارفور في أتون الدم منذ عقدين.

المركز… تاريخ من توظيف الهوامش

لفهم مستريحة، لا بد من العودة إلى نمط إدارة الدولة السودانية لأقاليمها. فالمركز، عبر عقود، لم يُحسن بناء شراكة سياسية عادلة مع الهامش، بل لجأ مرارًا إلى سياسة “توازنات القوة المحلية”؛ يُقوّي طرفًا ليكبح آخر، ويُبقي الجميع في حالة اعتماد على الخرطوم.

هذا النمط أضعف المؤسسات المدنية، وأقحم الإدارات الأهلية في صراعات تتجاوز دورها الطبيعي كحاضنة للسلم الاجتماعي. ومع كل جولة صراع، كان يُعاد إنتاج المعادلة نفسها: تسليح، استقطاب، ثم انفجار.

تحرير مستريحة… دلالة تتجاوز السيطرة

التحولات الأخيرة في مستريحة لا يمكن قراءتها فقط بوصفها حدثًا عسكريًا. أهميتها تكمن في ما ترمز إليه:
1. إغلاق نافذة استغلال القبيلة سياسيًا: تقليص مساحة المناورة التي تُستخدم فيها الرموز الأهلية لإعادة إشعال التوتر.
2. تعزيز خطاب وطني جامع: التأكيد أن السودان لا يُختزل في قبيلة أو إقليم، وأن كل شبر فيه جزء من وطن مشترك.
3. إعادة الاعتبار لمسار المصالحة: تمكين الإدارات الأهلية من العودة إلى دورها الطبيعي كجسر للتهدئة لا كطرف في النزاع.

فالتحرر الحقيقي لا يُقاس بخرائط السيطرة، بل بقدرة المجتمع على كسر الحلقة الذهنية التي تربط السياسة بالقبيلة، والدين بالاصطفاف المسلح.

من جغرافيا الفتنة إلى هندسة الدولة

إذا كانت مستريحة قد استُخدمت يومًا كعنوان للانقسام، فإن طيّ صفحتها يجب أن يكون مدخلًا لإعادة تعريف العلاقة بين المركز والهامش. دولة المواطنة لا تُبنى عبر وكلاء مسلحين، بل عبر مؤسسات خاضعة للمساءلة، وتنمية عادلة، وعدالة انتقالية تعترف بالضحايا.

المعركة، في جوهرها، ليست بين قبائل ولا بين قرى؛ إنها صراع على شكل الدولة السودانية:
هل تبقى رهينة مشاريع توظف الدين والهوية لإدامة النفوذ؟
أم تنتقل إلى أفق جديد يعتبر أن “كل أرجائه لنا وطن”؟

حين تُغلق أبواب الفتنة، لا يُهزم طرف اجتماعي، بل يُهزم منطق استثمار الانقسام. وعندها فقط يمكن لدارفور — ولسائر السودان — أن تبدأ فصلًا مختلفًا: فصل التعافي من إرثٍ ثقيل، وبناء عقد وطني لا مكان فيه لاستخدام القبيلة كسلاح، ولا للهامش كورقة ضغط، بل كركيزة أصيلة في وطن واحد.

إرسال التعليق

لقد فاتك