مليح يعقوب : إعلان "نيالا" وتأسيس الدولة الوطنية: نحو تفكيك المركزية وتحرير الوعي السوداني - صوت الوحدة

مليح يعقوب : إعلان “نيالا” وتأسيس الدولة الوطنية: نحو تفكيك المركزية وتحرير الوعي السوداني

​ثبت جلياً، وبالاستناد إلى معطيات الواقع السياسي الراهن، أن “تحالف تأسيس” يمثل اليوم التيار الأكثر قدرة على قيادة المرحلة المفصلية من تاريخ السودان الحديث. فالمشروع الذي يتبناه التحالف لا يسعى فقط لإنهاء حالة التيه السياسي، بل يهدف لاجتثاث جذور الأزمة التي غرسها “النظام البائد” وأدخلت البلاد في أتون هذه الحرب؛ التي نراها صراعاً وجودياً بين تطلعات التغيير الجذري، وبين محاولات الحركة الإسلامية المستميتة لاستعادة سلطتها المفقودة.
​إن إعلان ميلاد حكومة “الوحدة والسلام” من قلب مدينة “نيالا البحير” يمثل تحولاً رمزياً وجيوسياسياً بالغ الأثر؛ فهي المرة الأولى التي تولد فيها نواة لدولة وطنية من عمق الأطراف، بعيداً عن هيمنة المركز التاريخي الذي احتكر القرار والثروة لعقود. هذا الحدث ليس مجرد إجراء إداري عابر، بل هو إعلان عن تهاوي مؤسسات “دولة الامتيازات” التي تساقطت أوراق توتها، لتبدأ مرحلة “الغربلة التاريخية” التي ستعيد وضع القوى السياسية في أحجامها الحقيقية أمام الجماهير.
​لقد أحدث “تحالف تأسيس” اختراقاً عميقاً في الوعي الجمعي السوداني، تجلى في الالتفاف الشعبي الذي لم يعد يكتفي بالشعارات التقليدية، بل رفع سقف المطالب نحو “تأسيس” بنيوي شامل. هذا الوعي لم يولد من فراغ، بل كان نتاج تضحيات جسيمة قدمتها الحواضن الاجتماعية المؤمنة بقيم الفيدرالية، والمدنية، والتنمية المتوازنة؛ وهي قيم تتصادم جذرياً مع عقيدة المؤسسة العسكرية الحالية التي تقاتل بلا أفق وطني، سوى حماية مشروع التمكين الأيديولوجي والذي نعتبره يمثّل النموذج الأقبح من دولة 1956
​إن التفاعل الشعبي الواسع مع حكومة تأسيس سواء أكان في الداخل أو الخارج يكسر حاجز الصمت الذي فرضه بطش الحركة الاسلامية. فبينما يعاني المواطنون في مناطق سيطرة الجيش من تكميم الأفواه عبر ترسانة من القوانين القمعية، مثل قانون “أولاد الضيف” وقانون “المتعاونين” وقانون “الوجوه الغريبة”– وهي أدوات تهدف لعزل الشعب عن حركته التصحيحية – أثبتت ثورات السودانيين المتلاحقة، وصولاً إلى حراك أبريل، أن الشعب قد تجاوز “العقلية النيلية المركزية” التي تلاعبت بالخارطة السياسية طويلاً عبر ثنائية الانقلابات والديمقراطية الصورية.
​ختاماً، يمكننا تحليل المشهد السوداني الراهن عبر ثلاثة مستويات من الوعي:
​الوعي التقدمي: ويقوده “تحالف تأسيس” الذي يمتلك الأرض، والإرادة، والمشروع الشعبي العابر للجهويات.
​الوعي التقليدي: ويمثّله “تحالف صمود” الغارق في مثالية حالمة وازدواجية سياسية، مصارعاً للحفاظ على مكتسباته التاريخية في فضاء افتراضي بعيد عن الواقع المعاش.
​الوعي الإرهابي: وتقوده الحركة الإسلامية التي أشعلت الحرب على أسس إثنية وهوياتية، لتدفع بالبلاد نحو حافة الهاوية.
​إن الواجب الراهن لـ “تحالف تأسيس” هو تبنّي خطاب إعلامي استراتيجي يسهم في “تحرير الوعي” لدى المجتمعات التي ما زالت تحت حصار التضليل، فمعركة الوعي هي الطريق الأمثل لتقصير أمد الحرب و تقليل كلفة التغيير وبناء الدولة السودانية الجديدة على أسس العدالة والمواطنة المتساوية.

إرسال التعليق

لقد فاتك