مجدي محمد : من الفاشر إلى الطينة .. صدع في جدار “دولة القبيلة” العبارة للحدود
كيف باع مناوي وجبريل دماء الهامش.. ثم اتهموا إنجمينا بالخيانة؟!
طوال عقود، كانت نخب قبيلة الزغاوة (الممتدة بين شمال دارفور وشرق تشاد) تدير “إمبراطورية أمنية وسياسية” معقدة. كانت القاعدة الذهبية التي أرساها الرئيس التشادي الراحل إدريس ديبي هي: “الدم أثقل من الحدود”. زغاوة السودان هم من أوصلوا ديبي للسلطة في إنجمينا عام 1990، وفي المقابل، فتح لهم ديبي الحدود ليكونوا شوكة في خاصرة نظام البشير في 2003.
لا أحد يجادل في أن تشاد دولة تحكمها أقلية “الزغاوة” بقبضة حديدية، ورغم محاولات الانفتاح التي بدأها ديبي الأب وورثها الرئيس الشاب محمد إدريس ديبي (كاكا)، إلا أن مفاصل الجيش والأمن والاقتصاد ما زالت تُدار بتوازنات القبيلة.
لكن، مع اندلاع حرب 15 أبريل 2023 في السودان، لم تنكسر القاعدة الذهبية فحسب، بل تم تزييف التاريخ و شهوده أحياء.
تضخ الآلة الإعلامية لمناوي وجبريل اليوم سردية بكائية تزعم أن “محمد كاكا خان الزغاوة” بدعمه لقوات الدعم السريع، و قد تسبب ذلك في تململ عسكري كبير في الداخل التشادي، لكن التدقيق في التسلسل الزمني للأحداث والمبادرات السرية يكشف حقيقة صادمة: إنجمينا لم تخن القبيلة، بل إن قادة الحركات (مناوي وجبريل) هم من خانوا مصالح ملايين السودانيين في الغرب، وباعوا الفاشر و الطينة مقابل حقائب وزارية في بورتسودان!
هذا التحليل يفكك “السردية المزيفة”، ويكشف تفاصيل “مبادرة الفاشر المجهضة”، وكيف تحول انحياز قادة الحركات لـ “دولة 56” إلى برميل بارود يهدد أمن الدولة التشادية والإقليم بأسره.
1/ مبادرة إنجمينا لإنقاذ الفاشر: الفرصة التي اغتالها “الفلنقايات”
إن دعم القيادة التشادية لقوات الدعم السريع (في إطار مشروع التأسيس والتغيير) كان سابقاً بكثير لإعلان مناوي وجبريل انحيازهما الرسمي للجيش. ديبي الابن كان ينطلق من “براغماتية دولة” تدرك أن مصالح تشاد الاستراتيجية تكمن في تفكيك المركز الإقصائي في الخرطوم. ومع ذلك، عندما استشعر محمد كاكا أن هناك “طبخة سرية” تُعد في الخفاء بين مناوي وجبريل واستخبارات الجيش داخل الفاشر لتحويلها إلى ساحة معركة، بادر بتقديم “طوق نجاة استراتيجي” يحمي المدينة والمدنيين (والزغاوة تحديداً) من الدمار.
- تفاصيل المبادرة التشادية اقترحت إنجمينا حلاً عبقرياً: خروج حامية الجيش السوداني (الفرقة السادسة) من الفاشر بضمانات دولية، مقابل تعهد ملزم من الدعم السريع بعدم مهاجمة أو دخول المدينة. على أن تؤول الإدارة الأمنية والمدنية للمدينة كاملة إلى “القوة المشتركة” (قوات الحركات المسلحة).
- الاختبار الحقيقي: وافقت قوات الدعم السريع على المبادرة فوراً… ورفضها الجيش السوداني! هنا كان الاختبار التاريخي لمناوي وجبريل: مع من سيقفون؟ مع إدارة إقليمهم وحماية أهلهم من المحرقة؟ أم مع رغبة ضباط جيش البازنقر في توريط وتدمير المدينة؟
2/ الانحياز للجلاد: بيع الفاشر و الطينة بثمن بخس!
بدلاً من التمسك بالمبادرة التشادية التي تمنحهم السيطرة على الفاشر وتحقن الدماء، اختار مناوي وجبريل الخيار الأسوأ والأكثر دناءة.
بعد أسابيع قليلة من إجهاض المبادرة، أعلن الرجلان رسمياً تخليهما عن “الحياد”، وانحيازهما السافر للجيش السوداني!
لماذا انحازوا؟ لم يكن انحيازهم لحماية الفاشر كما يزعمون (هم من أدخلوا الحرب إليها برفضهم إخراج الجيش)، بل كان انحيازاً لـ “مصالحهم الشخصية”. لقد اختاروا ضمان تدفق الميزانيات من بورتسودان، والاحتفاظ بلقب “وزير مالية” و”حاكم إقليم”، على حساب دماء المواطنين.
لقد ضحوا بفرصة تاريخية لتحييد الفاشر، وفضلوا أن يجعلوا من أبناء الهامش “أكياس رمل” لحماية جنرالات الجيش الذين ارتكبوا الإبادة ضدهم بالأمس.
3/ “أم جرس” ودموع التماسيح: تسويق الوهم
بعد أن تسبب مناوي وجبريل في إشعال محرقة الفاشر بتحالفهم مع الجيش، بدأوا في ترويج دعاية رخيصة وسط قبيلتهم: “الرصاص الذي يقتلنا يأتي من أم جرس.. محمد كاكا يخوننا!”.
هذه الدعاية ليست مجرد محاولة لغسل أيديهم من الجريمة. بل لجر الحريق إلى العمق التشادي.
ديبي يتصرف كرجل دولة، ديبي الابن يرى أن دعم تحالف التأسيس (الدعم السريع) يمثل موقفاً يتسق مع تاريخ تشاد الداعم لثورات الهامش ضد استعلاء الخرطوم. هو لم يخن القبيلة، بل رفض أن يرهن سياسة بلاده لطموحات جنرالين (مناوي وجبريل) قررا العمل كـ “مرتزقة” لدى الفلول.
الخيانة الحقيقية: الخيانة ليست في أن تفتح تشاد مطاراتها لمن يفكك دولة 56، الخيانة الحقيقية هي أن يحمل قادة الحركات نخب (زغاوة السودان) السلاح ليدافعوا عن نفس المركز الذي احتقرهم لعقود ووصفهم قادته بـ “العواليق”.
4/ السيناريو الكارثي: تصدير الأزمة إلى التشاد
إن قصر نظر مناوي وجبريل لم يدمر الفاشر و الطينة فحسب، بل خلق صدعاً زلزالياً داخل “البيت الزغاوي”.
تحريض العشيرة على الدولة: باستخدام خطاب المظلومية العرقية، يحاول مناوي وجبريل تأليب الضباط الزغاوة في الجيش التشادي ضد الرئيس محمد كاكا، مما يهدد استقرار إنجمينا نفسها.
عندما سقطت الفاشر، ثم الطينة لن يكون مقاتلو الحركات مجرد لاجئين في الطينة التشادية او شرق تشاد. بل سيتحولون إلى بؤرة تمرد و تحريض تستهدف الإطاحة بنظام محمد ديبي انتقاماً لفشلهم العسكري، مما سيحول الصراع من حرب سودانية إلى حرب “زغاوية ضد زغاوة” لأول مرة في التاريخ الحديث، و هذا ما حذرنا منه منذ يوم انحاز مناوي و جبريل لجيش البازنقر.
امن “الكتاب الأسود” إلى “كتائب الظل”
التاريخ لا يرحم. سيذكر السودانيون أن نخب الزغاوة في تشاد (رغم هيمنتهم على السلطة هناك) كانوا أكثر وعياً بطبيعة الصراع، فدعموا التغيير ودعموا مشروع تفكيك دولة 56 في السودان.
بينما سيُسجل التاريخ بمداد من الخزي أن قيادات ونخب حركات زغاوة السودان (الذين كتبوا الكتاب الأسود وادعوا النضال من أجل الهامش)، عندما حانت لحظة الحقيقة، باعوا دماء أهلهم، وأفشلوا مبادرة إنقاذ الفاشر، واختاروا أن يكونوا جنوداً صغاراً و كتائب ظل في جيش يقوده الفلول.
الرصاصة التي حرقت الفاشر و الطينة لم تأتِ من “أم جراس”، بل انطلقت من فنادق “بورتسودان”، يوم قرر مناوي وجبريل توقيع صك العبودية الطوعية لجنرالات المركز!



إرسال التعليق