آدم الحاج : بين قدسية الشعار وابتذال الممارسة: عادات النادي السياسي التاريخي والسباحة عكس تيار الثورة السودانية الشاملة - صوت الوحدة

آدم الحاج : بين قدسية الشعار وابتذال الممارسة: عادات النادي السياسي التاريخي والسباحة عكس تيار الثورة السودانية الشاملة

ليست أزمة السودان اليوم نقصًا في الشعارات، بل فائضًا منها.

ففي كل مرحلة انتقالية تتكاثر الكلمات الكبرى: الديمقراطية، الشريعة، العدالة، السلام، الحرية. غير أن الواقع يزداد هشاشة، وتتعاظم الفجوة بين الخطاب والممارسة.

وهنا يكمن السؤال الجوهري: هل مشكلتنا في غياب المبادئ، أم في تحويلها إلى لافتات سياسية تُرفع عند الحاجة وتُعطَّل عند التطبيق؟

إن تفكيك عادات النادي السياسي التاريخي ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة لفهم لماذا تتعثر كل محاولة للتغيير، ولماذا تسبح بعض النخب عكس تيار ثورةٍ أرادت إعادة تأسيس الدولة لا إعادة تجميلها. فالثورات لا تفشل حين تُهزم في الشارع، بل حين تُختزل في الشعارات.

النادي السياسي التاريخي: ثقافة حكم لا مجرد تحالف

منذ فجر الاستقلال ظل المشهد السياسي السوداني محكومًا بما يمكن تسميته بـ”النادي السياسي التاريخي”؛ ذلك التحالف غير المعلن بين نخب حزبية وطائفية وعسكرية احتكرت القرار الوطني وأدارت الدولة بعقلية المغالبة لا بعقلية الدولة الحديثة.

هذا النادي لم يكن مجرد فاعل سياسي عابر، بل ثقافة حكم متوارثة لها عادات راسخة تقاوم كل محاولة للتجديد أو القطيعة التاريخية.

عقلية الوصاية لا الشراكة

من أبرز سمات هذا النادي اعتقاده الدائم بأحقيته الطبيعية في الحكم، إما بحكم الإرث التاريخي، أو الشرعية الرمزية، أو السيطرة الواقعية. لذلك ظل يتعامل مع الإرادة الشعبية باعتبارها موجة عاطفية مؤقتة يمكن احتواؤها بصفقات النخبة، لا باعتبارها مصدر الشرعية الأصلي.

ثورة ديسمبر لم تكن احتجاجًا ظرفيًا، بل لحظة وعي تاريخي طالبت بإعادة تأسيس الدولة. غير أن النادي السياسي تعامل معها كأزمة يجب إدارتها، لا كمشروع يجب إنجازه.

إدارة الأزمات بدل حلها

أحد أكثر عادات هذا النادي رسوخًا هو مهارته في إعادة تدوير الأزمات بدل تفكيكها.

تُعقد المؤتمرات.

تُشكَّل اللجان.

تُوقَّع الاتفاقات.

تُوزَّع المناصب.

لكن تبقى البنية العميقة للأزمة كما هي:

مركزية القرار، عسكرة السياسة، ضعف المؤسسات، وغياب المساءلة.

إنها سياسة “ترقيع اللحظة” بدل إعادة بناء الدولة.

التحالف مع القوة لا مع الشرعية

عندما تتعارض مصالح النخبة مع مطالب الشارع، يميل النادي السياسي تاريخيًا إلى الاحتماء بالقوة المسلحة. وهنا تتحول الدولة من إطار مؤسسي محايد إلى أداة لإعادة إنتاج السلطة ذاتها.

في المقابل، رفعت الثورة السودانية شعار الدولة المدنية؛ أي دولة المؤسسات والقانون. لكن النادي ظل يناور بين المدنيين والعسكر بحثًا عن موطئ قدم داخل السلطة، لا عن مشروع وطني جامع.

الخوف من القطيعة التاريخية

الثورات بطبيعتها تُحدث قطيعة مع أنماط الحكم القديمة. غير أن النادي السياسي يخشى هذه القطيعة لأنها تعني مراجعة الامتيازات المتراكمة، وفتح ملفات المساءلة، وإعادة تعريف الشرعية.

لذلك ظل يسعى إلى تسويات رمادية لا غالب فيها ولا مغلوب، حتى وإن كان الثمن تعطيل العدالة الانتقالية وإفراغ شعارات التغيير من مضمونها.

بين قدسية الشعار وابتذال الممارسة

الأزمة في السودان ليست أزمة غياب شعارات، بل أزمة صدق في تجسيدها.

فالنادي السياسي التاريخي لم يكن يومًا بلا خطاب أخلاقي أو دستوري، بل ظل يرفع لافتات كبرى مثل:

  • الديمقراطية
  • تطبيق الشريعة
  • العدالة
  • السلام
  • الحرية

غير أن التجربة كشفت أن هذه الشعارات لم تتحول إلى منظومة قيم حاكمة للسلوك السياسي.

الديمقراطية تحولت في كثير من الأحيان إلى إجراءات شكلية بلا ضمانات مؤسسية.

وتطبيق الشريعة استُخدم سياسيًا كأداة شرعنة للسلطة، لا كإطار لتحقيق العدل وصون الكرامة الإنسانية.

والعدالة ظلت انتقائية.

والسلام بقي اتفاقات فوقية لا تمس جذور التهميش.

والحرية قُيّدت كلما اصطدمت بمصالح النخبة.

إن إضافة الشعارات — مهما بدت مقدسة أو جذابة — دون تجسيد قيمها في بنية الدولة لا تعني شيئًا في مسار تغيير الواقع. بل إن الفجوة بين القول والفعل تُنتج نوعًا من النفاق السياسي البنيوي، حيث تُستخدم اللغة الأخلاقية والدينية لتغطية ممارسات تناقضها.

وهنا مكمن الخطر:

حين يتحول الشعار إلى وسيلة لإعادة إنتاج الأزمة بدل معالجتها.

الثورة كمسار لا كلحظة

الثورة السودانية الشاملة لم تكن صراعًا على كراسي السلطة، بل مطالبة بإعادة تعريف الدولة ووظيفتها تجاه مواطنيها: دولة تقوم على المواطنة، وسيادة القانون، والشفافية، والمساءلة.

ولا يمكن كسر حلقة النادي السياسي التاريخي إلا بتغيير قواعد اللعبة نفسها، عبر:

  • بناء مؤسسات مستقلة حقيقية.
  • إنهاء عسكرة السياسة بصورة جذرية.
  • إرساء عدالة انتقالية شفافة.
  • تمكين الأجيال الجديدة من قيادة المشهد.
  • ترسيخ ثقافة الاتساق بين الشعار والممارسة.

فالشرعية لا تُمنح بالكلمات، بل تُبنى بالاتساق بين الخطاب والسلوك، وبين النص والتطبيق، وبين الوعد والإنجاز.

السودان اليوم أمام مفترق طرق حقيقي:

إما إعادة إنتاج الماضي بثوب لغوي جديد،

أو الشروع في تأسيس جمهورية تُقدِّس القيم في التطبيق لا في الشعارات.

والتاريخ لا ينتظر المترددين.

إرسال التعليق

لقد فاتك