النور احمد ناير : السعودية… هل يهدد الخطاب المنحاز دور الوسيط؟ - صوت الوحدة

النور احمد ناير : السعودية… هل يهدد الخطاب المنحاز دور الوسيط؟

في متابعة المشهد الإعلامي الدولي، برزت قناتا “العربية” و“الحدث” بوصفهما فاعلين مؤثرين في تشكيل الرأي العام بشأن الحرب السودانية. غير أن الملاحظ خلال الفترة الأخيرة تحوّلٌ تدريجي في خطابهما من مقاربة أقرب إلى الحياد إلى خطاب يبدو أكثر انحيازًا. تجلّى ذلك في توصيف قوات الدعم السريع بـ“الميليشيا”، ومحاولة طمس هوية #تأسيس عبر إلحاقها بهذا التوصيف التحريري، مقابل إبراز الجيش بوصفه الطرف “الشرعي”.

قد يبدو هذا التحوّل في ظاهره شأنًا تحريرياً، إلا أنه يتجاوز حدود المعالجة الإعلامية إلى دلالات سياسية أوسع. فالقناتان تمثلان الواجهة الدولية للإعلام السعودي، وتعكسان — بصورة مباشرة أو غير مباشرة — توجهات المملكة في ملفاتها الإقليمية. ومن ثمّ، فإن أي تغيّر في النبرة أو المفردات لا يُقرأ بمعزل عن السياق السياسي العام.

تاريخيًا، لم يكن الإعلام الدولي بعيدًا عن دوائر النفوذ السياسي؛ فقد مثّلت مؤسسات مثل BBC World News وRT وAl Jazeera English أدواتٍ ناعمة تعكس، بدرجات متفاوتة، الرؤية الرسمية لدولها. وفي هذا الإطار، يمكن قراءة الخطاب الحالي لـ“العربية” و“الحدث” باعتباره امتدادًا لتحوّل محتمل في الموقف السعودي تجاه الأزمة السودانية، أو على الأقل مؤشرًا على إعادة تموضع في مقاربة الصراع.

غير أن هذا التحوّل يطرح تساؤلات جوهرية حول انعكاسه على الدور السعودي كوسيط رئيسي ضمن الرباعية الدولية (السعودية، الولايات المتحدة، بريطانيا، والإمارات) الساعية لإيجاد تسوية سلمية. فالوساطة، بطبيعتها، تتطلب صورة ذهنية محايدة ومتوازنة، ويستند نجاحها إلى انسجام الخطاب السياسي والإعلامي مع متطلبات الحياد الدبلوماسي.

وإذا استمر الخطاب المنحاز، فقد تجد السعودية نفسها أمام معادلة دقيقة: كيف تحافظ على صدقيتها كوسيط موثوق، وفي الوقت ذاته تدير أدواتها الإعلامية بما لا يُفهم بوصفه انخراطًا في النزاع؟ إذ إن تحوّل الإعلام إلى طرفٍ ضمني في الصراع قد يضعف فاعلية الوساطة، بل ويقيد هامش الحركة السياسية في مسار التسوية.

تقف السعودية، إذن، أمام اختبارٍ حساس بين توظيف النفوذ الإعلامي وصون الحياد الدبلوماسي. وسيكون نجاحها في إدارة هذا التوازن عاملًا حاسمًا في تحديد ما إذا كانت ستظل وسيطًا موثوقًا في الأزمة السودانية، أم أن خطابها الإعلامي سيحدّ من قدرتها على لعب هذا الدور في المستقبل

إرسال التعليق

لقد فاتك