آدم الحاج : تحرير الجيش شرط بقاء الدولة: إصلاح المؤسسة العسكرية هو مفتاح إنهاء الحرب وبناء السودان الموحد
في خضم الحرب التي تمزق السودان، تتعدد الروايات حول أسباب اندلاعها، وتتباين التفسيرات بين صراع على السلطة، أو تنازع مراكز نفوذ، أو خلافات داخل المنظومة العسكرية. غير أن القراءة العميقة لمسار الأحداث تكشف حقيقة أكثر جوهرية: إصلاح المؤسسة العسكرية والمنظومة الأمنية كان في صلب الأزمة، بل أحد الأسباب الأساسية لانفجار الصراع.
لم تكن مسألة الدمج وإعادة الهيكلة وإعادة تعريف العقيدة العسكرية مجرد تفاصيل فنية، بل كانت معركة حول مستقبل الدولة نفسها: هل يكون الجيش مؤسسة وطنية مهنية تخضع للدستور، أم يبقى أداة في يد تيار سياسي بعينه؟
الحرب… صراع على هوية الجيش
منذ عقود، خضعت المؤسسة العسكرية لاختراق سياسي وأيديولوجي عميق، بلغ ذروته خلال فترة هيمنة الإسلاميين على مفاصل الدولة. لم يكن الأمر مجرد وجود ضباط ذوي توجه فكري معين، بل كان مشروعًا متكاملًا لإعادة تشكيل الجيش وفق رؤية تنظيمية، تقوم على:
التمكين داخل القوات النظامية.
ربط الترقيات بالولاء السياسي.
إضعاف المهنية لصالح الانتماء.
خلق منظومات أمنية موازية لضمان السيطرة.
وعندما طُرح ملف الإصلاح الجاد – بما يشمل تفكيك شبكات التمكين وإعادة بناء الجيش على أسس قومية – تحوّل الأمر إلى تهديد مباشر لمراكز نفوذ متجذرة داخل المنظومة العسكرية والأمنية. وهنا بدأ الصراع يأخذ شكله العنيف.
إصلاح المؤسسة العسكرية… لماذا كان سببًا للحرب؟
لأن إصلاح الجيش يعني:
إنهاء الاحتكار السياسي داخله.
تفكيك البنية العقائدية المؤدلجة.
إعادة تعريف دوره كحامٍ للدستور لا حارسٍ لنظام.
إخضاعه لرقابة مدنية دستورية.
هذه التحولات لم تكن مقبولة لمن اعتادوا اعتبار المؤسسة العسكرية جزءًا من مشروعهم السياسي. فكان الاصطدام حتميًا.
الحرب، في أحد أبعادها الجوهرية، هي مقاومة للإصلاح. مقاومة لتحويل الجيش من جيش سلطة إلى جيش وطن.
لا دولة موحدة دون جيش مهني
إن أي حديث عن وحدة السودان وبناء دولة حديثة سيظل فارغًا ما لم يُحسم ملف المؤسسة العسكرية. فالدولة الموحدة تحتاج إلى:
جيش قومي يمثل كل السودانيين دون تمييز.
عقيدة قتالية تحمي الحدود لا المصالح الحزبية.
مؤسسة منضبطة بالقانون لا متداخلة مع السياسة.
التجارب العالمية واضحة: الدول التي نجحت في الانتقال الديمقراطي هي تلك التي أعادت تعريف العلاقة بين المدني والعسكري على أسس دستورية واضحة، تمنع تدخل الجيش في السياسة وتمنع السياسيين من اختطاف الجيش.
الشعب وصوت المطالبة بالإصلاح
إذا أراد الشعب السوداني بناء دولة موحدة، فعليه أن يوحّد صوته حول مطلب جوهري: إخراج الإسلاميين – وكل التيارات السياسية – من المشهد العسكري.
الأمر لا يتعلق بإقصاء اجتماعي أو تصفية سياسية، بل بفصل مؤسسي ضروري. من حق أي مواطن أن ينتمي سياسيًا، لكن ليس من حق أي تنظيم أن يهيمن على مؤسسة السلاح.
توحيد الخطاب الشعبي حول:
قومية الجيش.
مهنية القوات المسلحة.
حظر العمل الحزبي داخلها.
تفكيك التمكين داخل المنظومة الأمنية.
هو المدخل الحقيقي لإنهاء دوامة الانقلابات والحروب.
إصلاح المنظومة الأمنية… لا الجيش وحده
لا يكتمل الإصلاح دون مراجعة شاملة للمنظومة الأمنية بكاملها، بما يشمل الأجهزة الاستخباراتية والتشكيلات الموازية. فوجود أكثر من مركز مسلح خارج إطار قومي موحد هو وصفة دائمة للانفجار.
الإصلاح المطلوب ليس انتقاميًا، بل مؤسسيًا، يقوم على:
إعادة الهيكلة وفق معايير مهنية.
الدمج أو التفكيك القانوني للتشكيلات غير القومية.
بناء عقيدة وطنية جديدة قائمة على حماية الشعب لا مراقبته.
الخلاصة: معركة الجيش هي معركة الدولة
إن الحرب الدائرة ليست فقط صراعًا مسلحًا، بل صراع حول شكل الدولة القادمة.
إما أن يكون لدينا جيش جمهوري وطني مهني،
وإما أن نبقى أسرى لعسكرة مؤدلجة تتجدد بأسماء مختلفة.
تحرير الجيش من قبضة الإسلاميين وكل السياسيين ليس شعارًا عاطفيًا، بل ضرورة وجودية لبقاء السودان دولة موحدة.
فالجيش إذا تحرر… تحررت الدولة.
وإذا بقي أسير السياسة… بقي الوطن رهينة للصراع.



إرسال التعليق