بولس كون : تحالف السودان التأسيسي:الدبلوماسية كسؤال شرعية لا كسؤال بروتوكول - صوت الوحدة

بولس كون : تحالف السودان التأسيسي:الدبلوماسية كسؤال شرعية لا كسؤال بروتوكول

مقدمة 
إن أزمة السودان اليوم ليست أزمة سلطة فحسب بل أزمة تعريف ما هو السودان؟ ومن يتحدث باسمه؟ ومن يمتلك حق تمثيله خارج حدوده؟ في ظل تعدد الشرعيات لم تعد السياسة الخارجية ملفًا ملحقًا بمفاوضات الداخل، بل صارت جزءًا من معركة التأسيس ذاتها.
إن تحالف السودان التأسيسي، إن أراد أن يكون أكثر من مجرد إطار سياسي ظرفي، فعليه أن يتعامل مع الدبلوماسية بوصفها فعلًا سياديًا، لا ترفًا بروتوكوليًا.

أولًا: من تاريخ التحالفات إلى ضرورة المؤسسية
التجربة السودانية ليست جديدة على فكرة العمق الإقليمي لقد لعبت العلاقة بين الحركة الشعبية لتحرير السودان وكل من أوغندا وكينيا وإثيوبيا دورًا حاسمًا في إعادة صياغة موازين القوة خلال سنوات الحرب لم يكن ذلك دعمًا إنسانيًا خالصًا بل تقاطع مصالح وأمن وحدود ورؤية إقليمية لإعادة ترتيب شرق إفريقيا.
غير أن ما كان تحالفًا في زمن الحرب، يجب أن يتحول في زمن التأسيس إلى علاقة مؤسسية منظمة. فالدولة لا تُبنى بذهنية الحركة فقط والشرعية لا تُثبت بخطاب تعبوي، بل بقدرة على إدارة العلاقات الخارجية بصورة واضحة ومستمرة. 

ثانيًاتعدد الشرعية ومعركة الاعتراف

عندما تتنازع أكثر من جهة حق تمثيل الدولة، يصبح الخارج مرآة الداخل. من يُستقبل رسميًا؟ من يوقع الاتفاقيات؟ من يفتح المكاتب؟ من يُعترف به شريكًا؟
إن ترك هذا الفراغ دون مبادرة يعني تسليم معركة الاعتراف للخصوم. ولهذا فإن الرهان على الإقليم — قبل البعيد — هو خيار واقعي لا عاطفي.
السودان لا يعيش في فراغ. مجاله الحيوي المباشر يتمثل في:
أوغندا _ كينيا _ إثيوبيا _ جنوب السودان _ تشاد _ليبيا _ جمهورية إفريقيا الوسطى _ اريتريا _ مصر 
هذه ليست حدودًا جغرافية فقط، بل حدودًا سياسية وأمنية واقتصادية تتداخل مع مصير الدولة السودانية نفسها.

ثالثًا: لماذا يجب أن نرتقي إلى مستوى السفارات؟

لأن السفارة فعل اعتراف متبادل. هي إعلان بأن هناك كيانًا سياسيًا يمتلك إرادة تمثيل نفسه، ويطلب الاعتراف على أساس الندية.
في الحالة السودانية، ترتقي ضرورة السفارات إلى مستوى الضرورة الاستراتيجية للأسباب التالية:
_ إدارة الشتات السوداني
ملايين السودانيين موزعون في دول الجوار. بدون تمثيل رسمي، يتحولون إلى فراغ قانوني وسياسي.
_ تنظيم الأمن الحدودي
لا يمكن معالجة الانفلات الحدودي ببيانات إعلامية، بل بقنوات تنسيق رسمية ودائمة.
_ إعادة ربط الاقتصاد بالسوق الإفريقي
السودان أقرب إلى كمبالا ونيروبي وأديس أبابا وجوبا وإنجمينا وبنغازي وبانغي واسمرا والقاهرة من كثير من العواصم البعيدة التي ظلت توجه سياسته الخارجية.
_ حسم السردية السياسية
في ظل صراع الشرعيات، من يفتح سفارة، ويُعتمد سفيره، ويُستقبل رسميًا، يقترب خطوة من تثبيت موقعه في معادلة الدولة.

رابعًاالانتماء الإفريقي كإعادة تموضع

ظل السودان لعقود يتأرجح بين هويات متنازعة، بينما كانت جغرافيته تحسم الأمر بصمت. إن الرهان على الإقليم ليس خيارًا أيديولوجيًا، بل عودة إلى الجغرافيا.
الانتماء الإفريقي هنا ليس شعارًا ثقافيًا، بل إطار عمل سياسي يقوم على:
شراكات أمنية متوازنة
تكامل اقتصادي تدريجي
تنسيق سياسي يعترف بخصوصية المرحلة الانتقالية السودانية
إن إعادة تعريف موقع السودان في شرق ووسط إفريقيا جزء من إعادة تعريف الدولة نفسها.

خامسًاالدبلوماسية كجزء من مشروع التأسيس

تحالف السودان التأسيسي أمام امتحان حقيقي.
إما أن يظل حبيس خطاب داخلي ينتظر اعترافًا خارجيًا،
أو أن يبادر ببناء شبكة تمثيل إقليمي منظم يرتقي تدريجيًا إلى مستوى السفارات.
ليست المسألة إعلانًا عاطفيًا، بل مسارًا متدرجًا يبدأ بمكاتب تمثيل، ويتطور إلى اعتماد رسمي، ثم إلى بعثات كاملة الصلاحيات. هكذا تُبنى الشرعية في اللحظات الانتقالية.
خاتمة
إن معركة السودان اليوم ليست فقط في الخرطوم أو دارفور أو النيل الأزرق. إنها أيضًا في كمبالا ونيروبي وأديس أبابا وجوبا وإنجمينا وطرابلس وبانغي واسمرا والقاهرة وفي الاتحاد الافريقي والايقاد ومن لا يحضر في الإقليم، يُعاد تعريفه من خارجه.
الدبلوماسية، في هذه اللحظة، ليست بروتوكولًا… بل فعل تأسيسي.

إرسال التعليق

لقد فاتك