عمار سعيد : كمبالا ومعركة الشرعية: قراءة استراتيجية في توقيت الزيارة ودلالاتها الإقليمية - صوت الوحدة

عمار سعيد : كمبالا ومعركة الشرعية: قراءة استراتيجية في توقيت الزيارة ودلالاتها الإقليمية

ليست زيارة رئيس المجلس الرئاسي إلى كمبالا حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل خطوة محسوبة في قلب معركة إقليمية تدور حول سؤال واحد: من يمثل السودان سياسيًا في الفضاء الإفريقي؟ وفي أي إطار ستُعاد صياغة الشرعية خلال المرحلة المقبلة؟

كمبالا بوابة شرق إفريقيا لا منصة استقبال

كمبالا ليست مجرد عاصمة مجاورة، بل عقدة توازن في منظومة شرق إفريقيا والبحيرات العظمى. وأوغندا، بحكم موقعها داخل الهيئة الحكومية للتنمية، تمثل إحدى الدوائر المؤثرة في أي مقاربة إفريقية للحرب السودانية.

اختيار كمبالا يعني التوجه نحو “العمق الإفريقي” بدل الاكتفاء بالمسارات العربية أو الدولية. إنه سعي لبناء كتلة توازن داخل الإقليم في مواجهة تحركات تسعى لإعادة تعويم سلطة بورتسودان عبر ممرات الاتحاد الإفريقي.

التوقيت… رسالة مضادة في معركة الاعتراف

تأتي الزيارة في لحظة حساسة يتقاطع فيها:
• استمرار تعليق عضوية السودان في الاتحاد الإفريقي.
• مواقف صادرة عن مجلس السلم والأمن الإفريقي ترفض التعامل مع “كيانات موازية”.
• حراك إقليمي تقوده القاهرة داخل أروقة المجلس لدفع مسار يعيد شرعنة السلطة القائمة في بورتسودان.

في هذا السياق، تتحول الزيارة إلى فعل سياسي مضاد: محاولة تثبيت حضور دبلوماسي في الإقليم قبل أن تُحسم معركة التعريف القانوني والسياسي للسلطة في السودان.

الرمزية السياسية للظهور بالزي الإفريقي

الرموز في السياسة الإقليمية ليست هامشية. الظهور بالزي الإفريقي يوجه خطابًا متعدد الطبقات:
1. تأكيد الانتماء للمجال الإفريقي كإطار مرجعي للحل.
2. رفض تصوير المشروع السياسي كحالة “معزولة” أو “خارج الإجماع القاري”.
3. إعادة تعريف الذات كفاعل سياسي إقليمي لا مجرد قوة ميدانية.

إنها محاولة لإعادة صياغة الصورة أمام مؤسسات الاتحاد الإفريقي، حيث تُحسم المعارك غالبًا بلغة الرموز قبل البيانات الرسمية.

تركيبة الوفد… عرض نموذج حكم لا وفد عسكري

ضم الوفد شخصيات تمثل أقاليم (دارفور، الشرق) ورئيس وزراء ووزراء سياديين. الرسالة هنا واضحة: تقديم صورة “بنية دولة” لا صورة تحالف عسكري.

هذه الخطوة تستهدف تفكيك سردية “المليشيا” عبر إبراز:
• هياكل تنفيذية.
• تمثيل إقليمي.
• ملفات خدمات (النفط، الخارجية، العمل الإنساني).

إنها محاولة لتحويل الصراع من توصيف أمني إلى توصيف سياسي–مؤسسي.

ما الذي تريده أوغندا؟

أوغندا تنظر للأزمة السودانية من زاوية الارتدادات: اللاجئون، الاستقرار الحدودي، وتوازنات القرن الإفريقي. لذلك، قد لا يكون الهدف اعترافًا رسميًا بقدر ما هو:
• فتح قنوات تنسيق أمني وإنساني.
• تثبيت دور وساطة محتمل يعزز مكانتها الإقليمية.

بالنسبة لكمبالا، أي قناة اتصال تخفف مخاطر الفوضى الإقليمية تُعد مكسبًا استراتيجيًا.

معركة السرديات… من يملك صورة “الشرعية الإفريقية”؟

الصراع لم يعد عسكريًا فقط، بل تحوّل إلى صراع سرديات:
• طرف يسعى لإعادة تعويم نفسه عبر مؤسسات الاتحاد الإفريقي.
• وطرف يحاول تثبيت حضوره عبر العواصم الإفريقية المؤثرة.

زيارة كمبالا تدخل في إطار بناء “شرعية عملية” عبر العلاقات الثنائية، حتى في ظل غياب اعتراف قاري شامل.

ان الزيارة تمثل إعادة تموضع داخل شرق إفريقيا في مواجهة حراك مضاد تقوده قوى إقليمية تسعى لاحتكار مسار الشرعية داخل الاتحاد الإفريقي.

إنها خطوة في معركة طويلة عنوانها:
هل يُعاد تعريف السودان من بوابة الأمر الواقع العسكري، أم عبر توازنات إقليمية تفرض مسارًا سياسيًا مختلفًا؟

الجواب لن يُحسم في بيان، بل في شبكة التحالفات التي تتشكل الآن في كمبالا وأديس أبابا ونيروبي… وفي قدرة كل طرف على تحويل الرمزية إلى نفوذ فعلي داخل مؤسسات القارة.

إرسال التعليق

لقد فاتك