عزيز الدودو : السودان الجديد حلم يولد من رحم المعاناة
في ظل المعاناة التي يعيشها السودان اليوم، يطل علينا بصيص أمل وهو “السودان الجديد”. هذا المشروع ليس مجرد نظرية أو مشروع سياسي عادي، بل هو حلم يراود كل سوداني وأم سودانية تمنوا لو عاشوا في وطن يسع الجميع دون خوف أو تمييز.
لكن ما هو السودان الجديد بالضبط؟
هو ببساطة فكرة وطن مختلف عن ذلك الذي عرفناه لعقود. ليس مجرد تغيير حكام أو تعديل قوانين، بل إعادة نظر كاملة في هويتنا كسودانيين. إنه مشروع يهدف إلى بناء دولة يشعر فيها المواطن في أقصى الغرب أنه مواطن كامل الحقوق مثل أخيه في العاصمة، ويشعر فيها المسيحي بالأمان مثل المسلم، والمهمش سابقاً بالكرامة التي يتمتع بها أبناء النخب المركزية.
الحقيقة أن الحديث عن بناء جديد يعني أولاً الاعتراف بضرورة هدم القديم. فالوطن الذي ورثناه عن دولة (56) لم يكن وطناً عادلاً للجميع. لقد كان نظاماً قائماً على تهميش مناطق كاملة، وإقصاء ثقافات بأكملها، وتوزيع الثروة بشكل غير متوازن.
كان إرثاً استعمارياً استمر في إنتاج الصراعات والحروب لعقود طويلة. لذلك، لا يمكننا بناء السودان الجديد على أنقاض السودان القديم، بل يجب أن نبدأ من الأساس.
والعدالة هنا ليست كلمة فضفاضة نرددها في الخطب، بل هي أساس متين لكل ما سنبنيه بعد ذلك. كيف يمكن لدولة أن تستقر وأبناؤها لا يشعرون بأن الثروة توزع بعدل؟ كيف يمكن لمجتمع أن يتحد وكل مجموعة تشعر بأنها مهمشة ومظلومة؟ العدالة تعني أن ننظر في جراح الماضي بصدق، أن نعترف بأن هناك من عانى أكثر من غيره، وأن نعمل على رد الاعتبار لكل من سرق حقه عبر العقود الماضية.
أما الحرية في السودان الجديد، فهي أوسع بكثير من مجرد حرية التصويت كل أربع سنوات. إنها حرية الإنسان في أن يعيش حياته كما يريد، أن يعبر عن رأيه دون خوف، أن يمارس شعائره الدينية كيفما يشاء، أن يختار نمط حياته دون أن يفرض عليه أحد قيوداً باسم التقاليد أو الدين أو العرف. إنها حرية المبدع في الإبداع، والعالم في البحث، والصحفي في النشر، والسياسي في المعارضة.
والمساواة ليست شعاراً نرفعه، بل حقيقة نعيشها. في السودان الجديد، لا فرق بين ابن جبال النوبة وابن الخرطوم، ولا تمييز بين مسلم ومسيحي، ولا أفضلية لقبيلة على أخرى. القانون واحد للجميع، والفرص متاحة للجميع، والكرامة حق للجميع. هذا التنوع الذي يزخر به السودان ليس نقطة ضعف كما حاول البعض تصويره، بل هو ثروة حقيقية يجب أن نفخر بها ونستثمرها.
لكن الطريق إلى هذا الحلم ليس سهلاً، ولا ينبغي أن نخدع أنفسنا فنظن أن الأمور ستتغير بين عشية وضحاها. فالتحديات التي تواجهنا كبيرة وعميقة. أولها الانقسامات الداخلية التي زرعتها عقود من سياسات التفريق والتهميش. هذه الجروح عميقة وتحتاج إلى وقت طيبة لعلاجها، وتحتاج إلى حوار صادق بين كل أبناء السودان.
ثم هناك الوضع الاقتصادي الصعب الذي يعاني منه المواطن البسيط وتأثيرات الحرب المدمرة. الغلاء والبطالة وتدهور العملة كلها مشاكل حقيقية تؤرق الناس وتجعلهم أحياناً يشككون في إمكانية تحقيق أي حلم. إعادة بناء الاقتصاد السوداني ليست مهمة سهلة، خاصة مع تركة الديون والفساد والعقوبات الاقتصادية.
ولا ننسى إرث الماضي الثقيل. فعقود من الفساد والظلم والقمع تركت في نفوس الناس جراحاً وفي مؤسسات الدولة خللاً عميقاً. تغيير هذا الواقع يحتاج إلى صبر وإرادة قوية، ويحتاج إلى مشاركة كل السودانيين في عملية البناء، ليس فقط السياسيين والنخب، بل المواطن العادي في قريته ومدينته وفي موقع عمله أياً كان.
مع ذلك، ورغم كل هذه التحديات، يبقى الأمل. يبقى حلم السودان الجديد حياً في قلوب الملايين. يبقى ذلك الإحساس بأننا نستحق الأفضل، وأن ما نعيشه اليوم ليس قدراً محتوماً، بل هو مرحلة سنعبرها معاً. فمن رحم المعاناة يولد الأمل دائماً، ومن عمق الألم تنبت أقوى الأحلام.
السودان الجديد هو وعد نصنعه بأيدينا لأطفالنا وللأجيال القادمة. هو تعهد بأن نترك لهم وطناً أفضل من ذلك الذي ورثناه. هو إيمان راسخ بأن شعباً عانى كل هذه العقود لم يعد يستحق إلا الأفضل. ومعاً، بالإرادة والعزيمة والعمل الجاد، سنحول هذا الحلم إلى حقيقة.



إرسال التعليق