مجدي محمد : الكتاب الأول للثورة المسلحة في دارفور جذور الأزمة والهندسة الاجتماعية(6) - صوت الوحدة

مجدي محمد : الكتاب الأول للثورة المسلحة في دارفور جذور الأزمة والهندسة الاجتماعية(6)

اتفاقية أبوجا “مسلخ الرفاق”

حين تحول الثائر إلى “مرتشي” يغتال رفاقه ليحرس قصر الجلاد!

في الخامس من مايو 2006، وفي قاعات القصر الرئاسي المكيفة بالعاصمة النيجيرية أبوجا، كان مني أركو مناوي يرتدي بزة أنيقة، ويوقع بابتسامة عريضة على وثيقة “سلام دارفور” تحت عدسات الكاميرات الدولية. في تلك اللحظة، كان إعلام الخرطوم يعزف أناشيد السلام، لكن في معسكرات النازحين بـ “كلمة” و”أبو شوك”، كانت ترتفع أصوات الأسى واللعنات: “لقد باعنا الفلنقاي”.

لم يكن اتفاق أبوجا معاهدة سلام، بل كان في جوهره “عقد عمل” “عقد مقاولة أمنية”. لقد اشترت كليبتوقراطية المركز (بقيادة مجذوب الخليفة وعلي عثمان محمد طه) بندقية مناوي لتوجيهها إلى صدور أبناء الهامش الرافضين للتركيع.

هذا المقال يفتح “الملف الأقذر” لما بعد أبوجا. كيف تحول مناوي من “قائد ثوري” إلى نسخة مستحدثة من “خونة 1916″؟ وكيف أدار مسلخاً سرياً لتصفية قادته، مؤسساً لـ “سوق الانشقاقات” الذي دمر دارفور؟

1/ الوهم الكبير: “كبير مساعدي الرئيس” في قفص من ذهب!

مقابل التوقيع والتخلي عن مطالب الثورة الجوهرية (السودان الجديد – الحكم المدني الفيدرالي)، ماذا نال مناوي؟

نال البند الأبرز في الاتفاقية: منصب “كبير مساعدي رئيس الجمهورية”.

فخ الجلابة: منحه دهاقنة المركز مرتبة بروتوكولية عليا (الرابع في الدولة)، وموكباً رئاسياً، ومكتباً فخماً. لكن في الواقع السيادي، كان المنصب “فارغاً تماماً”. (مساعد حلة).

ديكور السلطة: لم يكن لمناوي أي سلطة فعلية على الجيش، أو جهاز الأمن، أو وزارة المالية، أو حتى على تعيين معتمد في دارفور. ابتلع “الفلنقاي” طعم وعود سراب السلطة؛ انشغل بتأثيث مكتبه وتوزيع البدلات على حاشيته، بينما كانت أجهزة الأمن تتخذ قرارات حرق دارفور في غرف لا يُسمح له بدخولها.

لقد تحول إلى “تمثال شمع” يُستخدم لاستقبال الوفود الأجنبية للقول بأن “دارفور تشارك في الحكم”.

2/ عربون الصفقة: مجزرة “كورما” وحرب الوكالة ضد الفور

لم تطلب الخرطوم من مناوي توقيعاً على الورق فحسب، بل طلبت “عربوناً من الدم” يثبت ولاءه المطلق لسادته الجدد. كان التكليف الاستخباراتي واضحاً: تطهير الميدان من حركة عبد الواحد محمد نور، واحتلال جبل مرة، وكسر الحاضنة الاجتماعية التي ترفض أبوجا (قبيلة الفور). بعد أسابيع فقط من توقيعه، ارتكبت قوات مناوي واحدة من أبشع مجازر الحرب. وثّقت العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش هجوماً كبيراً شنه جيش مناوي في يوليو 2006 على منطقة “كورما” (شمال الفاشر). المفارقة المرعبة أن قوات مناوي كانت تقاتل كتفاً بكتف مع الجيش السوداني ومليشيات الجنجويد بقيادة موسى هلال. فاتورة الدم؟ أسفر الهجوم عن مقتل أكثر من 70 مدنياً (أغلبهم من الفور)، واغتصاب ممنهج لعشرات النساء، وحرق القرى ونهب المواشي. منظمة العفو الدولية وثقت 72 قتيلاً و103 مصاباً و39 اغتصاباً في ذلك الهجوم. أراد مناوي أن يثبت للخرطوم أنه “المقاول الأمني” الأجدر بالاعتماد عليه، فتحول مقاتلوه إلى أداة لتهجير النازحين وحرق حواكيرهم، في تماهٍ تام مع ماكينة الإبادة.

3/ صدمة الميدان: “مجموعة الـ 19” ترفض الخيانة

اعتقد مناوي أن قياداته الميدانية (وخاصة أبناء قبيلته الزغاوة) سيتبعونه كالقطيع إلى الخرطوم، لكن “الميدان” كان له رأي آخر. هنا ظهرت “مجموعة الـ 19” (G-19)، وهي تضم 19 من أشرس القادة الميدانيين (أبرزهم: خميس عبدالله أبكر، سليمان مرجان، آدم بخيت، وجار النبي).

كان هؤلاء القادة كانوا قد تمردوا مسبقاً على أسموه “دكتاتورية فنادق باريس” التي مارسها عبد الواحد حسب زعمهم، في تبرير تأييدهم مؤتمر حسكنيتة وصفقة أبوجا. لكنهم سرعان ما تكتشف لهم حقيقة الصفقة، فتمردوا وركلوا الصفقة التي أطلقوا عليها “خيانة أبوجا” التي جاء بها مناوي. واعتبروا الاتفاق “بيعاً صريحاً لدماء الشهداء”.

جبهة الخلاص الوطني في يونيو 2006، تحالفت مجموعة الـ 19 مع العدل والمساواة (خليل إبراهيم) وشخصيات تاريخية (أحمد دريج وشريف حرير)، وأسسوا في أسمرا “جبهة الخلاص الوطني”. شنوا هجمات كاسحة في شمال دارفور (أم سدر، كركيا)، وسحقوا قوات الحكومة وقوات مناوي معاً. أثبتوا للخرطوم أن مناوي “باعهم بضاعة وهمية”، فهو لا يسيطر على الميدان كما زعم ويتوهم.

4/ المسلخ الداخلي والتصفيات الجسدية

عندما أدرك مناوي أنه يفقد السيطرة على الأرض، تحول إلى وحش كاسر ضد أبناء حركته وحتى أبناء قبيلته الذين رفضوا الاتفاق. استخبارات القمع: أسس مناوي جهاز استخبارات داخلياً شديد البطش، مهمته حماية “مكتسبات أبوجا”. السجون السرية: أقام معتقلات وسجوناً سرية في مناطق سيطرته (مثل قريضة ومهاجرية)، تحولت إلى “مسالخ بشرية”. كل قائد ميداني تململ من أبوجا، وكل ضابط رفض توجيه بندقيته لصدور أهله، تم اعتقاله وتعذيبه. الاغتيالات الممنهجة: طالت يد الغدر قيادات ميدانية بارزة حاولت الانشقاق أو الانضمام لمجموعة الـ 19. تمت تصفية العديد منهم في الصحراء ورميهم في غياهب السجون. أدار مناوي حركته بـ “عقلية المافيا”، حيث الخروج من تنظيم “الفلنقاي” عقوبته الموت.

5/ “سوق الانشقاقات”: تحويل الثورة إلى “سجل تجاري”

كان من أسوأ إفرازات أبوجا أنها علّمت القادة الميدانيين “دبلوماسية الارتزاق”.

أدرك القادة أن التوقيع مع الخرطوم يمنح مناصب وأموالاً تحت بند “الترتيبات الأمنية”. فجأة، أصبح كل قائد ميداني يمتلك 10 سيارات “تاتشر” يطمح للانشقاق، وتأسيس يافطة جديدة ببيان هزيل، ليفاوض الحكومة منفرداً ويحصل على وظيفة “معتمد” أو “وزير ولائي”.

هندسة التمزيق: رعت الاستخبارات العسكرية هذه الظاهرة (التناسل الانشطاري). كانت ترسل وسطاء للقادة وتقول لهم: “لماذا تتبعون مناوي وهو يقبض الثمن وحده؟ انشقوا وسندعمكم”.

النتيجة؟ تحولت الحركات من 3 حركات رئيسية في 2003، إلى ما يقارب 20 فصيلاً بحلول 2008! وتحولت دارفور إلى “سوق محاصصة” تُباع فيه الدماء لمن يدفع أكثر.

الخاتمة: نهاية صلاحية “أداة الاستعمال الواحد”.
لقد كانت اتفاقية أبوجا انتصاراً ساحقاً لمنطق “الكليبتوقراطية العنيفة”. في تلك اللحظة، أثبتت نخب الخرطوم مجدداً صحة النظرية الاستعمارية الإنجليزية القديمة التي رُسخت في أفريقيا ومناطق أخرى من العالم: “لكل إنسان ثمن”. لقد تطوع مناوي، حرفياً وعملياً، لبيع نفسه في “تسوية انفرادية”، ليثبت صحة النظرية العنصرية للمركز التي تقول: “هؤلاء العبيد ليسوا أصحاب مبادئ، لوّح لهم بشيك وسيارة وموكب، وسيتكفلون بقتل بعضهم البعض”.

إن نظام الأبارتهايد أو “الكليبتوقراطية العنيفة” في الخرطوم كنظام يجمع بين العنصرية والنهب المنظّم للثروة والاستخدام القمعي للسلطة لم يهدف يوماً إلى إيجاد حل جذري للصراع. بل على العكس، هي تستخدم موائد الحوار والتفاوض كـ “أدوات تفكيك” أكثر من كونها “أدوات تسوية”. لقد نجحت الدولة عبر أبوجا في تحويل الصراع من مسألة “توزيع عادل للسلطة والثروة” وإنهاء نظام الفصل العنصري المتخفي إلى مجرد “سوق مساومة ومحاصصة” لمن يقبل ببيع (ضميره) قبل قضيته، بهدف تفتيت الحركات المتمردة وإعادة إدماجها كأدوات قمع محلية تحرس مشهد السلطة القائم.

النتيجة كانت تراجيدية لمناوي؛ لقد خسر كل شيء. خسر الحاضنة الجماهيرية في المعسكرات، وخسر الميدان، وخسر حتى احترام المركز الذي تعامل معه كـ “أداة استعمال واحد” (Disposable Tool).

وكما تنبأ الباحث “ناثان داركين” (Nathan Darkin) بدقة في دراسته “لا ملكية، لا سلام” (No Ownership, No Peace) حين كتب: “إن اتفاق أبوجا سيُسرّع تفتيت التمرد إلى كتل أصغر على أسس عرقية وقبلية”. وهذا ما حدث فعلاً بتشظي حركة تحرير السودان (SLA) إلى عشرات الفصائل المتناحرة. وعندما استنفدت الخرطوم غرضها من مناوي في شق الصف، بدأت في تجريده من مخصصاته وخنقه مالياً. أدرك حينها أن الكرسي الوثير في القصر لم يكن سوى “مقبرة سياسية”.

في المقال القادم (7): الهروب الكبير، وسقوط “الجنرال” في بئر الارتزاق.

كيف هرب مناوي من الخرطوم، ليتحول جيشه من “حركة تحرير” إلى “بندقية للإيجار” تقاتل في رمال ليبيا، و تتاجر بالبشر.

إرسال التعليق

لقد فاتك