آدم الحاج : حين تُحاصَر الشهادة السودانية بالبندقية: من يسرق مستقبل الطلاب؟
في خضمّ الحرب والانقسام الجغرافي الذي يعيشه السودان، يبرز ملف التعليم بوصفه أحد أخطر ميادين الصراع غير المعلن. فبينما تتعطل مؤسسات الدولة وتتقاسم القوى العسكرية السيطرة على الأرض، يظل السؤال الأكثر إلحاحًا: هل يُعقل أن يُعاقَب الطالب بسبب الجغرافيا؟
الحق في التعليم ليس منحةً سياسية تمنحها السلطة أو تحجبها وفق تقديرات أمنية متقلبة، بل هو حق دستوري أصيل أكدته المواثيق الدولية، ويُعد حجر الأساس لأي مجتمع يسعى للاستقرار والسلام.
حرمان الطلاب بسبب مناطق السيطرة… عقوبة جماعية مقنّعة
أي قرار يقضي بحرمان طلاب يقطنون في نطاق سيطرة طرف عسكري معيّن من الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية، لا يمكن اعتباره إجراءً إداريًا عابرًا، بل هو سابقة خطيرة تعني عمليًا:
- تمييزًا جغرافيًا صريحًا
- إقصاءً جماعيًا لآلاف الطلاب
- تحويل التعليم إلى أداة ضغط سياسي
فالطالب الذي نشأ في منطقة نزاع لم يختر موقعه، ولم يحمل سلاحًا، ولم يكن طرفًا في المعركة، ومع ذلك يجد نفسه ضحية قرار يهدد مستقبله الأكاديمي ويغلق أمامه أبواب الجامعة والعمل.
حرمان فئة كاملة من حقها في الامتحان لا يصنع استقرارًا، بل يهدد بتكوين جيل فاقد للفرص، ويعمّق مشاعر التهميش، ويزرع بذور احتقان اجتماعي طويل الأمد.
غرب السودان بين المخاوف والتمييز
في السياق ذاته، تتصاعد مخاوف مكونات اجتماعية من غرب السودان في ظل سياسات وإجراءات يُنظر إليها باعتبارها تستهدف فئات بعينها تحت مسميات أمنية، مثل ما يُعرف بقانون “الوجوه الغريبة”.
عندما تتحول الإجراءات الأمنية إلى اشتباه جماعي قائم على الهوية أو الجغرافيا، فإن الخطر لا يهدد الأفراد فحسب، بل يهدد فكرة المواطنة نفسها.
فالتضييق في الحركة أو الخدمات، أو ربط الانتماء الجغرافي بالشبهة الأمنية، يخلق بيئة يشعر فيها المواطن بأنه ملاحق بسبب هويته لا بسبب فعل ارتكبه.
وأخطر ما في الأمر أن يتزامن ذلك مع حرمان من خدمات أساسية مثل التعليم، بما يعمّق الإحساس بالعزل والإقصاء.
السودان اليوم أحوج ما يكون إلى سياسات جامعة تعزز المواطنة المتساوية، لا إجراءات تُفهم باعتبارها فرزًا للمواطنين وفق الانتماء.
خطوة حكومة تأسيس: حماية ما تبقى من الدولة
في هذا المشهد القاتم، تكتسب خطوة حكومة تأسيس بعقد امتحانات الشهادة السودانية في نطاق سيطرتها أهمية وطنية خاصة.
وبغضّ النظر عن الخلافات السياسية، فإن تمكين الطلاب من الجلوس لامتحاناتهم يمثل:
- حمايةً لحق أساسي غير قابل للتأجيل
- رسالةً بأن التعليم يجب أن يظل فوق الصراع
- محاولةً حقيقية لمنع ضياع عام دراسي كامل
إن استمرار العملية التعليمية — متى ما توفرت النزاهة والشفافية — يُعد خطوة في الاتجاه الصحيح، لأنه يحافظ على الخيط الأخير الذي يربط المجتمع بمستقبله.
التعليم ليس جبهة حرب
تحويل التعليم إلى ورقة صراع أخطر من أي معركة عسكرية.
فالسلاح قد يصمت يومًا، لكن آثار حرمان جيل كامل من التعليم قد تبقى لعقود.
إذا كان السودان قد انقسم عسكريًا، فلا يجوز أن ينقسم علميًا ومعرفيًا.
الطلاب ليسوا طرفًا في الحرب،
ومستقبلهم يجب ألا يُدار بعقلية الميدان، بل بعقل الدولة


إرسال التعليق