آدم الحاج : الإعلام المرتزق… حين تتحول الشاشات إلى ميادين حرب ضد الشعوب
لم يعد الصراع في عالم اليوم يُحسم بالبندقية وحدها، ولا بالطائرة المسيّرة فحسب، بل يُحسم بالكاميرا، وبالعنوان العريض، وبالخبر الذي يُعاد تشكيله بعناية ليخدم رواية بعينها. لقد تحولت بعض المنصات الإعلامية الإقليمية إلى أدوات صراع سياسي مكشوف، تمارس دورًا يتجاوز نقل الحدث إلى هندسة الوعي وصناعة الإدراك العام.
الإعلام المرتزق ليس توصيفًا انفعاليًا، بل توصيف لوظيفة؛ وظيفة تقوم على عقد غير معلن بين الوسيلة وممولها، لا بينها وبين الحقيقة.
من المهنية إلى التموضع السياسي
في المشهد الإعلامي العربي برزت نماذج واضحة لما يمكن وصفه بـ”الإعلام المتحارب”.
قناة الجزيرة تقدم نفسها بوصفها منبرًا لصوت الشعوب، لكنها في عدد من الملفات تمارس انتقائية سياسية لافتة؛ فتُضخم مأساة هنا، وتُخفض سقف التغطية هناك، تبعًا للتموضع الجيوسياسي للدولة الراعية ومصالحها الإقليمية.
في المقابل، تتبنى قناة الحدث ومنظومة إعلامية مماثلة خطابًا مضادًا يصوغ السردية من زاوية أمنية–سلطوية؛ فتُشيطن أطرافًا بعينها، وتُبرر أطرافًا أخرى، وفق تموضع سياسي لا يخفى على المتابع.
كلا النموذجين لا يتحرك في فراغ، بل ضمن صراع إقليمي على النفوذ، تُستخدم فيه معاناة الشعوب كورقة ضغط، لا كقضية مبدئية ثابتة.
حين تتحول المناصرة إلى استثمار
المأساة الحقيقية تبدأ عندما تُختزل قضايا الشعوب المظلومة في محتوى قابل للتوظيف السياسي.
تغطيات مكثفة حين تخدم الأزمة خطاب الممول، وصمتٌ أو تراجعٌ حين تتعارض الوقائع مع مصالحه.
وهنا لا يصبح السؤال: من المظلوم؟
بل: من يخدم هذا المظلوم في معادلة النفوذ؟
الإعلام المرتزق قد يرفع شعار العدالة، لكنه لا يلتزم بها إلا بقدر ما تخدم أجندته. وما إن تتغير المصلحة، حتى تتغير زاوية التصوير، ويتبدل الخطاب، وتُعاد صياغة الرواية.
الأثر المدمر على الشعوب
الشعوب التي تعاني من الحروب والانتهاكات لا تحتاج إلى مزيد من الاستقطاب الإعلامي، لكنها تجد نفسها عالقة بين سرديتين:
سردية تُبرر الانتهاك تحت لافتة “حماية الدولة” أو “محاربة الفوضى”.
وسردية تُوظف الانتهاك لإحراج خصوم سياسيين في صراع إقليمي.
وبينهما تضيع الحقيقة، ويتشوه وعي الرأي العام، ويضطرب المسار الحقوقي والقانوني، وتتعمق الانقسامات داخل المجتمعات المنكوبة.
والأخطر أن الضحية تتحول من إنسان له كرامة وحقوق، إلى مادة إعلامية قابلة للتداول في سوق النفوذ.
معركة السردية… أخطر من معركة الميدان
في عصر الهيمنة الرقمية، من يملك الكاميرا يملك نصف المعركة، لكن من يملك المصداقية يملك المستقبل.
القضية العادلة لا تحتاج إلى قناة منحازة، بل تحتاج إلى:
توثيق مستقل ومهني.
صحافة استقصائية غير خاضعة للتمويل السياسي المشروط.
خطاب حقوقي يستند إلى معايير العدالة الدولية لا إلى الاصطفافات الإقليمية.
الشعوب لا تحتاج إلى إعلام يُصفق لها اليوم ويصمت عنها غدًا، بل إلى إعلام يلتزم بالمبدأ حتى لو خسر التمويل وربح الحقيقة.
خاتمة
الجزيرة والحدث وغيرهما ليست مجرد قنوات؛ بل نماذج لصراع أوسع تتحول فيه الشاشات إلى جبهات، وتُدار فيه الحروب بالكلمات والصور كما تُدار بالرصاص.
إن الشعوب المظلومة لا تُنصر بالانتقائية، ولا بالاستثمار السياسي في دمائها، وإنما تُنصر بالمهنية، وبالعدالة المتساوية، وبإعلامٍ يقف مع الحقيقة لا مع مموليه.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح:
هل الإعلام العربي اليوم يخدم الحقيقة… أم يخدم النفوذ؟



إرسال التعليق