آدم موسى : «حين يصبح طلب الماء في أم رسوم جريمة»
ليس هناك مشهد أشد قسوة من إنسانٍ خرج يبحث عن ماء ليعود بالحياة، فعاد محمولًا بالموت. حين يُستهدف مدنيون مصطفّون حول بئر ماء، فإننا لا نتحدث عن خطأ عسكري ولا عن أضرارٍ جانبية، بل عن جريمة مكتملة الأركان؛ جريمة تنزع عن الحرب آخر أقنعتها وتكشف وجهها الأعمى حين تفقد أي رابط بالأخلاق.
الماء ليس موقعًا قتاليًا، والبئر ليست ثكنة، وصفّ العطاشى ليس تشكيلًا عسكريًا. إنهم أناس لا يحملون سوى أوعية فارغة، وكان يفترض أن تعود ممتلئة، لكنها امتلأت بالرصاص.
في الحروب تختلط الروايات وتتصارع البيانات، لكن الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل الجدل هي أن دم المدنيين ليس ورقة ضغط، ولا رسالة نارية، ولا جزءًا من تكتيك. هو سقوط أخلاقي قبل أن يكون انتهاكًا قانونيًا، وانهيار في المعنى قبل أن يكون خسارة في الميدان.
أخطر ما في الحروب ليس السلاح، بل تبرير السلاح. فحين يبدأ الناس في البحث عن مبررات لقتل الأبرياء، تتحول المأساة إلى عادة، ويصبح الضمير طرفًا محايدًا، وعندها لا يعود المجتمع ضحية حرب، بل ضحية تبلّد.
الحرب لا تعفي أحدًا من المسؤولية، بل تضاعفها. فكلما اشتد الرصاص اشتدت الحاجة إلى الانضباط، وكلما اتسعت المعركة ضاقت مساحة المباح. والقوة التي تعجز عن حماية بئر ماء تعجز عن حماية وطن، والشرعية لا تُقاس بمن يسيطر على الأرض، بل بمن يصون الحياة فوقها.
ومن يفقد البوصلة الأخلاقية في لحظة القتال يخسر قبل أن يُهزم؛ لأن المعارك قد تُحسم بالسلاح، أما الأوطان فلا تقوم إلا بالعدل. وفي النهاية، لا يسأل التاريخ من انتصر في ذلك اليوم، بل من أطلق النار على العطاشى



إرسال التعليق