آدم الحاج : الصمت الدولي حين يُختبر الضمير : غرب السودان بين الاستهداف والعدالة المؤجلة - صوت الوحدة

آدم الحاج : الصمت الدولي حين يُختبر الضمير : غرب السودان بين الاستهداف والعدالة المؤجلة

تمهيد: حين يصبح الانتماء تهمة
في سياقات الانهيار الوطني وتفكك مؤسسات الدولة، يُعاد تعريف مفاهيم المواطنة والانتماء خارج إطار الدستور والقانون، وتتحول الجغرافيا إلى معيار للثقة، والهوية إلى شبهة.
وحين تُستهدف مكونات اجتماعية بسبب انتمائها الجغرافي أو الإثني أو ملامحها الثقافية، فإننا لا نكون أمام إجراءات أمنية عادية، بل أمام أزمة عدالة تهدد الأساس الأخلاقي والقانوني للدولة.
السؤال المركزي الذي يفرض نفسه اليوم:
لماذا يصمت المجتمع الدولي أمام اتهامات خطيرة تتعلق باستهداف مكونات اجتماعية من غرب السودان؟
أولاً: من الاستهداف الاجتماعي إلى شبهة التمييز المنهجي
القانون الدولي لحقوق الإنسان واضح في حظر أي تمييز على أساس العرق أو الأصل الجغرافي أو الانتماء الاجتماعي.
كما أن القانون الدولي الإنساني يفرض حماية خاصة للمدنيين أثناء النزاعات المسلحة.
وأي سياسات أو إجراءات أو تشريعات تستهدف فئة محددة من المواطنين – إن ثبتت طبيعتها التمييزية – قد تندرج ضمن:
انتهاك مبدأ المساواة أمام القانون
مخالفة العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية
أو – في حال المنهجية والاتساع – جريمة اضطهاد ضمن الجرائم ضد الإنسانية
المعيار هنا ليس الخطاب السياسي، بل الوقائع الموثقة، ونمط التطبيق، وأثره الفعلي على فئة بعينها.
ثانيًا: الصمت الدولي بين السياسة وموازين القوى
الأمم المتحدة كيان سياسي بامتياز، خصوصًا في مجلس الأمن، حيث تتحكم المصالح الاستراتيجية للدول الكبرى في مسار القرارات.
من أبرز العوامل التي تفسر غياب الإدانة الحاسمة:
تعقيد المشهد الداخلي وتعدد الأطراف المتنازعة.
تضارب الروايات وصعوبة الوصول الميداني المستقل.
غياب توافق سياسي داخل مجلس الأمن.
الخشية من انهيار شامل للدولة بما يهدد الاستقرار الإقليمي.
لكن هذا الواقع السياسي لا يلغي سؤال العدالة، بل يعمّقه.
ثالثًا: الوساطات الإقليمية… هل تؤجل المساءلة؟
حين تتولى قوى إقليمية وساطة في نزاع داخلي، فإن أولويتها غالبًا تكون تثبيت الاستقرار ومنع توسع الصراع.
وفي كثير من الحالات، يُنظر إلى الإدانة العلنية كعامل قد يعرقل مسار التفاوض.
غير أن القانون الدولي الجنائي لا يسقط بالتسويات السياسية.
فالجرائم الجسيمة – متى ثبتت أركانها – تظل خاضعة للمساءلة، ولو بعد حين.
العدالة الدولية تتحرك عندما تتوفر:
ولاية قضائية واضحة
توثيق مهني مستقل
أدلة قابلة للفحص القضائي
غياب هذه العناصر يؤدي غالبًا إلى عدالة مؤجلة، لا عدالة ملغاة.
رابعًا: ازدواجية المعايير وأزمة الثقة
عندما يشعر مواطنو إقليم ما بأن معاناتهم لا تحظى بذات الاهتمام الدولي الذي تحظى به أزمات أخرى، تتآكل الثقة في النظام الدولي نفسه.
الانتقائية في التفاعل مع الانتهاكات تخلق انطباعًا خطيرًا بأن العدالة الدولية ليست معيارًا ثابتًا، بل قرارًا سياسيًا.
وهنا يكمن التحدي الأكبر:
الحفاظ على الإيمان بإمكانية الإنصاف عبر المؤسسات القانونية الدولية.
خامسًا: من الخطاب السياسي إلى الملف القانوني
التاريخ يُظهر أن العدالة لا تتحقق عبر الخطاب وحده، بل عبر العمل المؤسسي المنهجي:
توثيق احترافي مستقل
أرشفة قانونية دقيقة
بناء تحالفات حقوقية دولية
تفعيل مبدأ الولاية القضائية العالمية حيثما أمكن
الوعي لا يعني الانفعال، بل يعني تحويل المعاناة إلى قضية قانونية لا يمكن تجاهلها.
خاتمة
الصمت الدولي ليس حكمًا بالبراءة، لكنه يعكس تعقيدات السياسة الدولية.
غير أن العدالة – وإن تأخرت – تظل ممكنة متى توفرت الإرادة والملف القانوني المتكامل.
يبقى السؤال المفتوح أمام النخب الوطنية والمجتمع المدني:
هل ننتظر تغير موازين القوى؟
أم نعمل على صناعة شروط العدالة عبر الوعي والتوثيق وبناء مشروع وطني قائم على المساواة؟
في منبر الوعي والعدل، نؤمن أن العدالة ليست ترفًا سياسيًا، بل شرط بقاء الدولة.

إرسال التعليق

لقد فاتك