مجدي محمد : الكتاب الأول للثورة المسلحة في دارفور جذور الأزمة والهندسة الاجتماعية مؤتمر حسكنيتة - تأطير الخيانة - صوت الوحدة

مجدي محمد : الكتاب الأول للثورة المسلحة في دارفور جذور الأزمة والهندسة الاجتماعية مؤتمر حسكنيتة – تأطير الخيانة

كيف هندست الاستخبارات “حربها البديلة” واغتالت الثورة من داخل الصندوق!؟

في مطلع الألفية، كانت كل المؤشرات تقول بأن الإدارة الأمريكية والمجتمع الدولي عازمون على إغلاق ملف الحرب في جنوب السودان. كان الوسطاء يتحركون في كل مكان، وقطار “مشاكوس” يوشك على الوصول لمحطته الأخيرة، وقف دائم لاطلاق النار.

لكن، بالنسبة لـ “كليبتوقراطية الخرطوم” (نظام حكم اللصوص)، فإن السلام يعني “الموت الحتمي”. هذه المنظومة الطفيلية لا تحيا إلا وسط الدماء والدموع و الأشلاء، ولا تبرر نهبها للموارد إلا بوجود “تهديد وجودي”.

أدرك دهاقنة “النهب المصلح” في المركز (وعلى رأسهم علي عثمان محمد طه) أن إغلاق جبهة الجنوب يستوجب فوراً فتح “بؤرة استنزاف جديدة” تبرر استمرار الحالة الأمنية، وتضمن استمرار تدفق الميزانيات المفتوحة للجيش والأمن.

كانت دارفور هي الضحية المختارة بعناية. لقد تم تهيئة المسرح منذ زمن العقيد صلاح كوهين و قرارات النميري، التي أنتجت “النهب المسلح”، لكن كان ينقصهم فقط “إشعال عود الكبريت”.

هذا المقال يفتح الصندوق الأسود الأخطر: كيف تآمرت “العصابة الأمنية” في الخرطوم لإجهاض الحلول السلمية المبكرة؟ وكيف اخترقت الثورة عبر “الهمباتة” لتقودها إلى مقصلة “حسكنيتة”؟

1/ الفرصة الضائعة: إبراهيم سليمان ومؤامرة “علي عثمان”

قبل اشتعال الحريق الكبير، كان الفريق أول إبراهيم سليمان (وزير الدفاع السابق وابن قبيلة البرتي). كان هذا الرجل يشكل “معضلة أخلاقية” للعصابة الكليبتوقراطية الحاكمة. عندما تم إبعاده من وزارة الدفاع وتعيينه والياً على شمال دارفور، وجد الإقليم يغلي و على وشك الانفجار بسبب غياب الدولة وسيادة عصابات النهب المسلح التي ترعاها الاستخبارات.

أدرك إبراهيم سليمان بحدسه الأمني أن الحل ليس في البندقية. طلب إذناً من البشير لمقابلة “المتمردين الجدد” (نواة الحركات). التقاهم، فعلا وحاورهم، وأخبرهم بوضوح: “العمل المسلح انتحار وسيدمر أهلكم”. اتفق معهم على “خارطة طريق”. طرق، تنمية، حفر آبار، تفعيل القانون والشرطة، وإعادة هيبة الدولة، و القضاء على النهب المسلح مقابل التخلي عن التمرد.
الضوء الأخضر والأحمر: حمل سليمان الاتفاق وطلب لقاء البشير في الكلية الحربية. لقاء الكلية الحربية كان يهدف الى إشعار البشير برابطه “الكاكي”!، شرح له الموقف، ووافق البشير فوراً. لكن، في الغرف المظلمة، تدخل علي عثمان محمد طه (مهندس الخراب). لم يقبل علي عثمان أن يطفئ إبراهيم سليمان الحريق في مهده، لأن “الخطة الكبرى” كانت تقتضي إشعال دارفور لتكون الورقة البديلة للجنوب. تم إفشال الاتفاق، وأُقيل سليمان لاحقاً، ليفسح المجال للحل الأمني الغاشم.

​”عقيدة إشعال الحروب البديلة: من مشاكوس إلى جوبا” ، إشارة يمين و لفة شمال.

​”إن الكليبتوقراطية لا تموت في الحرب، بل تموت في السلام. ولتأكيد ذلك انت لا نحتاج للذهاب بعيداً، فالتاريخ القريب يفضح الحاضر. هل تذكرون شهادة الجنرال “ماكور” الصادمة؟ تلك التي كشف فيها أن جنرالات اللجنة الأمنية (البرهان، كباشي، وياسر العطا) طلبوا الاجتماع بقيادة الحركة الشعبية سراً في جوبا، في عز مفاوضات السلام، لا لدمج الجيوش، لا لإيصال الإغاثة للمحتاجين، بل للتنسيق لإشعال حرب جديدة، ضد من؟
ضد رئيس وفدهم المفاوض، و قوات الدعم السريع.

هم يجلسون أمام الكاميرات ببدلات السلام، بينما أيديهم تحت الطاولة تشعل الفتنة. هذا السلوك ليس نشازاً، بل هو (النمط التشغيلي القياسي) لهذه المنظومة. فقد حدث ذات السيناريو بالضبط في مطلع الألفية: بينما كانت وفود الحكومة تفاوض الدكتور جون قرنق في (مشاكوس) وتوهم العالم برغبتها في السلام، كان علي عثمان محمد طه يركض في الاتجاه المعاكس لتهيئة (مسرح الحرب البديل) في دارفور.

الدرس واحد في الحالتين: الكليبتوقراط لا يستطيع العيش في مناخ معافى؛ إنه كائن طفيلي يقتات على استمرار الحالة الأمنية”، ولو كلف ذلك حرق البلاد بأكملها.

2/ هندسة الانفجار: نصيحة “إسماعيل الحاج يوسف” وفخ المطار.

لم تترك المخابرات شيئاً للصدفة. المعلومات كلها تشير إلى أدوار خفية لشخصيات نافذة في توجيه التمرد نحو “الانتحار الاستراتيجي”
فخ الفاشر: إسماعيل الحاج يوسف (ضابط المخابرات السابق) أوحى لقيادات التمرد بأن “ضرب مطار الفاشر هو الحل الأوحد للفت أنظار الدولة والعالم”.
النتيجة الكارثية: نفذت الحركة الهجوم في (أبريل 2003) ودمرت الطائرات. عسكرياً كان نصراً، لكن استراتيجياً كان هو “الذريعة” التي كانت تنتظرها الدولة لإطلاق يد الجيش و موسى هلال و “الجنجويد”، وحرق الإقليم بحجة الدفاع عن سيادةالدولة. الكلبتوقراط اللصوص جعلوا من هجوم الفاشر مبرر لإبادة مئات الآلاف من البشر.

3/ اختراق “الصندوق”: مقتل القائد عبدالله أبكر

في الجانب الآخر من الصحراء، كان القائد العام لجيش الحركة عبدالله أبكر يجوب فيافي دارفور مبشراً بالثورة والحرية. لكنه اصطدم بواقع مرير: عصابات النهب المسلح (الهمباتة) كانت تسيطر على الأرض والطرقات.
هنا ارتكب القائد “خطأه القاتل”. وضع هؤلاء المجرمين أمام خيارات ثلاثة: إلقاء السلاح و العودة إلى الحياة المدنية، أو التوبة والانضمام للثورة، أو الموت.
حصان طروادة: انضم أغلب قادة النهب للحركة، ليس إيماناً بالقضية، بل حماية لأنفسهم وغنائمهم، وبعضهم كان مدفوعاً من الاستخبارات لاختراق الصف. لم يدرك عبدالله أبكر أنه أدخل “الأفاعي” إلى فراشه. هؤلاء “اللصوص التائبين” هم الذين قاموا بتصفيته لاحقاً حيث قُتل “من داخل الصندوق” في ظروف غامضة أثناء المعارك واستولوا على مفاصل الحركة العسكرية.
بمقتل عبدالله أبكر يناير 2004، سقط “الرأس الوطني” للحركة، وآلت القيادة العسكرية لمجموعة من “الهمباتة” الذين لا يعرفون سوى لغة الغنيمة.

4/ الحرب النفسية
شريف حرير و”زغونة” الثورة

على الصعيد السياسي والنفسي، كانت الثورة تتعرض للتآكل من الداخل. كان كثير من “المغرورين” و المخدوعين بدعاية الاستخبارات “دولة الزغاوة الكبرى” يقودون صراعاً نفسياً لتكريس “زغونة الثورة” أي فرض (هيمنة الزغاوة).

لكنهم كانوا يواجهون بحزم من القائد المؤسس عبدالله أبكر الذي كان يصر على قومية الحركة.

بمقتل عبدالله أبكر، خلا الجو لدعاة “القبلية”. أصبح الطريق ممهداً لتحويل الحركة من “مشروع تحرير للسودان” إلى “مشروع تمكين لقبيلة”.

أطلق مناوي مشروع “تعظيم عدد الضحايا” “كلما سقط ضحايا اكثر، كلما كان ذلك مفيدا للحركة” ، حيث كان يحتمي بالقرى، ثم يهرب و يتركهم يواجهون الجيش و الجنجويد.

ما تسبب في فاتورة باهضة من الأرواح خصوصا من مجتمعات الفور. ثم محاولاته المستمرة لادخال قوات كبيرة الى اعماق جبل مرة وسط شكوك كبيرة برغبته في السيطرة العسكرية على الجبل، هذا بالإضافة الى المحاباة و التمييز بين الجنود و غيره، وهو ما سهل لاحقاً عملية الانشقاق، المؤسف أن قائد مشروع زغونة الثورة شريف حرير كان أول ضحايا مناوي بعد اكتمال الانشقاق و انفراده بالحركة.

5/ مؤتمر حسكنيتة – تتويج الخيانة

بحلول عام 2005، كان على عثمان قد اكمل “انبطاحة” للولايات المتحدة الأمريكية و تم التوقيع على نيفاشا. و كانت الطبخة قد نضجت في دارفور.

الخرطوم تريد شق الحركة، لإدخال الحرب و العنف في الإقليم في دوامة جديدة و تعقيدات اكبر، ومناوي (وريث الجناح العسكري الملوث بعناصر النهب المسلح) يريد السلطة و المال. كان الانقلاب في حسكنيتة وسط حشد عسكري دعمه “المال الأسود” القادم من الخرطوم (عبر ضباط الاستخبارات)، نفذ مناوي انقلابه. عزل عبدالواحد،
المفارقة أن ضابط الإستخبارات عبد الفتاح البرهان الذي اسره عبدالواحد ثم أطلق سراحه، هو ذات ضابط الإستخبارات الذي نقل أموال و أسلحة لمناوي لغزو جبل مرة و السيطرة عليه.

القشة التي قصمت ظهر الثورة: هذا الانشقاق لم يكن خلافاً سياسياً، بل كان عملية “فرز عنصري”. انقسمت الحركة على أساس إثني. تحولت الحرب في دارفور من “ثورة ضد المركز” إلى “مشروع استنزاف للمجتمعات” تقوده الاستخبارات العسكرية، وتنفذه بنادق أبناء الإقليم ضد بعضهم البعض. و هو بالضبط ما حدث في حرب الجنوب أيضا، و بذلك يكون صلاح كوهين قد أنجز مهمته في دارفور كما انجزها في جنوب السودان.

الخلاصة:
مؤتمر حسكنيتة لم يكن حدثاً عابراً، بل كان اللحظة التي انتصرت فيها “الكليبتوقراطية” على “الثورة”.
نجحت الاستخبارات في وأد مبادرة الفريق إبراهيم سليمان السلمية، ثم اخترقت الحركة عبر “لصوص النهب المسلح”، ثم نصحتهم بضرب المطار لتبرير الإبادة، وأخيراً شقت صفهم في حسكنيتة عبر طموح “مناوي”.
لقد ابتلع مناوي طعم “الملك جربو”، وتحول من قائد ثوري إلى “مقاول أمني” يقتل جنوده ورفاقه ليرضي جلاده و يقبض الثمن.

وهكذا، فُرش السجاد الأحمر الملطخ بالدم في أبوجا لتوقيع الصفقة.

إرسال التعليق

لقد فاتك