آدم الحاج : الاتحاد الإفريقي رهينة النفوذ الإقليمي آن الأوان لكسر احتكار شمال القارة للقرار الإفريقي
تمهيد: من يدير الاتحاد فعليًا؟
لم يعد مقبولًا التعامل مع الاتحاد الإفريقي بوصفه مؤسسة محايدة تعكس الإرادة الجماعية للقارة.
الواقع السياسي يكشف بوضوح أن موازين النفوذ داخل الاتحاد مختلة، وأن دولًا في شمال إفريقيا نجحت – عبر المال والدبلوماسية والارتباطات الدولية – في توجيه بوصلة القرار القاري بما يخدم مصالح أنظمتها، لا مصالح إفريقيا ككل.
المشكلة لم تعد في “تفاوت التأثير”، بل في تحول الاتحاد إلى منصة تُدار فيها أجندات إقليمية تحت لافتة الشرعية الإفريقية.
أولًا: كيف تتم الهيمنة؟
الهيمنة لا تُمارس بالشعارات، بل بالأدوات:
- النفوذ المالي
حين يكون تمويل المؤسسة مرتبطًا بمساهمات دول محددة ذات ثقل اقتصادي، فإن القرار يصبح – عمليًا – أكثر حساسية تجاه مصالحها. - شبكات التأثير داخل المفوضيات
التغلغل داخل اللجان الفنية، ولجان السلم والأمن، وآليات الوساطة، يسمح بتوجيه الملفات قبل أن تصل إلى طاولة القمة. - توظيف العلاقات الدولية
بعض أنظمة شمال إفريقيا تستخدم موقعها الجيوسياسي وعلاقاتها بالقوى الدولية كورقة ضغط غير معلنة داخل الاتحاد، ما يمنحها قدرة على صناعة الإجماع أو تعطيله.
هذه ليست فرضيات، بل نمط متكرر في إدارة أزمات القارة.
ثانيًا: ازدواجية المعايير… حين تصبح المبادئ انتقائية
السؤال الجوهري:
لماذا يتعامل الاتحاد بحزم في بعض الانقلابات ويتباطأ في أخرى؟
لماذا تُفرض عقوبات بسرعة على أنظمة معينة بينما تُدار أزمات أخرى عبر صمت مريب أو وساطات شكلية؟
الجواب يكمن في الاصطفاف السياسي.
حين تتقاطع الأزمة مع مصالح أنظمة نافذة، يتحول الخطاب من “حماية الديمقراطية” إلى “تشجيع الحوار”.
وحين لا تتقاطع، يصبح السقف القانوني صارمًا بلا هوادة.
هذا التناقض يقوّض مصداقية الاتحاد ويجعل شعوب إفريقيا ترى فيه مؤسسة سياسية منحازة، لا مرجعية قارية عادلة.
ثالثًا: صمت أقاليم القارة… أصل الأزمة
الخلل لا يعود فقط إلى طموح بعض أنظمة الشمال، بل أيضًا إلى تشتت دول وسط وغرب وشرق إفريقيا.
لا يوجد تكتل تصويتي منظم.
لا توجد رؤية موحدة لإصلاح الاتحاد.
لا توجد استراتيجية دبلوماسية جماعية مضادة.
النتيجة:
تُدار ملفات الساحل والقرن الإفريقي ووسط القارة بقرارات لا تعكس أولويات شعوبها.
رابعًا: ما المطلوب الآن؟
الوقت لم يعد يحتمل بيانات دبلوماسية باهتة. المطلوب هو: - إعلان كتلة إصلاح داخل الاتحاد
تكتل صريح لدول وسط وغرب وشرق إفريقيا يضع إصلاح التوازن الجغرافي في صدارة جدول الأعمال. - مراجعة آليات اختيار القيادات
ضمان تمثيل عادل في مفوضيات السلم والأمن والوساطة، بعيدًا عن احتكار غير معلن. - إعادة هيكلة التمويل
تحرير القرار القاري من أي تأثير مالي غير متوازن. - كشف الازدواجية للرأي العام الإفريقي
المعركة ليست تقنية، بل سياسية.
وكل إصلاح يبدأ بكسر حاجز الصمت.
خامسًا: إفريقيا ليست حديقة خلفية لأحد
الاتحاد الإفريقي ليس امتدادًا جغرافيًا لسياسات أنظمة بعينها.
هو مؤسسة أُنشئت لحماية سيادة الشعوب، لا لتعزيز نفوذ أنظمة.
إذا استمر اختلال الميزان الحالي، فإن البديل سيكون خطيرًا:
تصاعد اللجوء إلى تحالفات خارج الإطار الإفريقي،
تآكل شرعية الاتحاد،
وتحوّل المؤسسة إلى واجهة شكلية بلا تأثير حقيقي.
خاتمة: لحظة المواجهة السياسية
القضية ليست شمالًا ضد جنوب.
القضية هي:
هل يبقى الاتحاد الإفريقي مؤسسة جماعية متوازنة؟
أم يتحول إلى ساحة تُدار فيها حسابات إقليمية مغلّفة بخطاب وحدوي؟
دول وسط وشرق وغرب إفريقيا أمام خيار واضح:
إما الاستمرار في دور المتفرج،
أو الدخول في معركة إصلاح سياسي حقيقي تعيد للاتحاد روحه التأسيسية.
إفريقيا لا تحتاج إلى وصاية جديدة،
بل إلى شراكة عادلة… أو مواجهة سياسية صريحة داخل بيتها القاري.



إرسال التعليق