​مليح يعقوب : المركز والهامش: جذور النشأة وتجليات الصراع - صوت الوحدة

​مليح يعقوب : المركز والهامش: جذور النشأة وتجليات الصراع

​تباينت الرؤى حول تاريخ نشأة الصراع بين “المركز والهامش” في السودان، وتبارى الكتاب في توصيف الدولة السودانية بأسماء ونعوت عكست في جوهرها حالة من السخط الشعبي تجاه الأنظمة المتعاقبة؛ فوُصفت بـ “دولة 56″، “الدولة العميقة”، “دولة الجلابة”، وصولاً إلى “دولة الأبارتهايد” و”الباشبوزق”. هذه النعوت لم تكن مجرد ترف لغوي، بل تفسيراً لمدى شعور الشعوب السودانية بالإقصاء وتجاهل التنوع وإهدار الموارد.
​ورغم ذهاب البعض إلى نفي وجود “دولة” في السودان أصلاً، إلا أن هذا الطرح يتجاهل إرثاً ضارباً في القدم؛ بدءاً من الحضارات الكوشية والنوبية والممالك المسيحية والإسلامية، وصولاً إلى الدولة المهدية التي صهرت هذه المكونات تحت راية وطنية طردت المستعمر. إن المفارقة تكمن في أن الساسة الذين ينكرون وجود الدولة، يمارسون نشاطهم ضمن أطرها، مما يؤكد أن الدولة السودانية قائمة بكيانها الجغرافي وشعبها وتاريخها، وإن كانت توصف بأنها “دولة غير وطنية” لافتقارها للسند الدستوري والأخلاقي.
​التحليل الثقافي والتاريخي
عند مراجعة المناهج التحليلية للأزمة، نجدها أكثر نضجاً من كتب التاريخ المدرسية التي كُتبت بمنطق “تجميل الذات”. فبالرغم من تباين الروايات، يظل القاسم المشترك هو أن السودان دولة مركزية مترامية الأطراف، غير متجانسة ثقافياً، مما يجعل “الفيدرالية والديمقراطية التعددية” الخيار الأنسب لإدارتها.
​ومن الملاحظ أن بعض المفكرين استبعدوا التأثيرات العميقة للحضارات القديمة في تشكيل سيكولوجية السلطة؛ فالسلطة القابضة قديمة قدم “فرعون” الذي استعلى في الأرض. أما دعاة “الكوشية” المعاصرون، فقد وقعوا في فخ الاختزال حين توهموا أنهم الورثة الحصريون لهذا الإرث، متجاهلين أن السودانيين جميعاً أحفادٌ لكوش التي ذابت في الهوية الأفريقية العامة، وأن استحضارها بمنطق فوقي قد يفتح “نوافذ” جديدة للصراع.
​التحول من الممالك القديمة إلى الدولة الحديثة
وبالنظر إلى منهج التحليل الثقافي (د. محمد جلال أحمد هاشم)، نجد استنتاجاً لافتاً حول الممالك النوبية المسيحية، حيث يرى أنها اعتمدت منظومة اقتصادية غير إنتاجية، واستندت إلى اتفاقية “البقط” (651م) التي شرعنت نوعاً من الاستغلال. ومع دخول المجموعات العربية وانصهارها في البنى النوبية، ورثت هذه المجموعات الامتيازات التاريخية القديمة.
​إن النشأة الأولى لذهنية “المركز” يمكن تتبعها منذ الحضارات القديمة التي انقسمت داخلياً إلى مركز وهامش، وتابع ومتبوع. هذه “العدوى” انتقلت لاحقاً إلى السلطنات الإسلامية (سنار، تقلي، دارفور)، بل وحتى السلطنات المغيبة تاريخياً مثل “سلطنة الخزام” التي انهارت عام 1510م بسبب صراعات داخلية على الموارد (قصة الناقة).
​جدلية المركز في الفكر المعاصر
في المقابل، يرى الأستاذ أبكر آدم إسماعيل أن المركز بدأ يتشكل فعلياً في عام 1820م مع العهد التركي المصري، حيث نشأت طبقة “الجلابة” كتحالف تجاري سيطر لاحقاً على الخطاب الرسمي. ورغم انتشار هذه الجدلية، إلا أنها أحياناً تحصر الصراع في البعد الثقافي وتتجاهل الجوانب الاقتصادية والهيكلية.
​بينما تذهب نظرية “الامتياز التاريخي” (د. أحمد الحسب) إلى أن دولة المركز هي “دولة 1956” بمؤسساتها العسكرية والمدنية، وأحزابها التقليدية، وطرقها الصوفية التي تواطأت للحفاظ على مصالحها. هذا المركز يتشكل من وجهين: “مركز خشن” يمثله العسكر، و”مركز ناعم” يمثله المدنيون، وكلاهما يحتمي بالآخر للبقاء.
​خاتمة
برز مصطلح “الدولة العميقة” في ثورة ديسمبر كأدق وصف لمنظومة “الإسلامويين”، التي مثلت النسخة الأكثر تشوهاً لدولة المركز؛ إذ أدت سياساتها إلى تمزيق وحدة البلاد ونشر الحروب. إن المخرج الوحيد يكمن في اقتلاع جذور هذه العقلية الإقصائية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس وطنية حقيقية، تضمن المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات، وتحول التنوع من عبء تاريخي إلى مورد للتنمية.

إرسال التعليق

لقد فاتك