مجدي محمد : الكتاب الأول للثورة المسلحة في دارفورجذور الأزمة والهندسة الاجتماعية(4) - صوت الوحدة

مجدي محمد : الكتاب الأول للثورة المسلحة في دارفورجذور الأزمة والهندسة الاجتماعية(4)

“النهب المصلح” vs “النهب المسلح”

شفشفة القلم، الجريمة التي تحولت إلى “مورد سياسي”

المختبر السري لإنتاج الفلنقايات

المستوطنون الجدد في “نادي الفساد”: من خيانة “السلطان علي دينار” إلى “شيكات مناوي”..
التاريخ يعيد نفسه كمهزلة!

كان الليل في شمال دارفور يُشبه دولة 56؛ واسعاً، بلا مصابيح، ومليئاً بأصوات لا تُرى. قافلةٌ تشق الرمل نحو سوقٍ بعيد، تُحكم وثاقها بالدعاء أكثر مما تُحكم بالقانون، ثم يظهر “الظل”، عربة دفعٍ رباعي تقطع المسار كما تقطع صواريخ البرهان أجساد الناس سريعاً، بلا أسئلة، وبلا عقاب. في الرواية الرسمية يُقال: “قطاع طرق”. لكن في الرواية التي تفسّر السودان كما هو، لا كما يُراد له أن يبدو، هذا ليس مجرد طريقٍ قُطع… بل دولةٌ تُعاد برمجتها.

في المقالات الثلاث السابقة فككنا “دارفور القديمة” قبل الرصاصة؛ الحاكورة كعقدٍ اجتماعي، ثم قرار 1971 كعملية سحب للحَكَم من الملعب، ثم جفاف 1984 كإعلانٍ للجغرافيا أنها دخلت الحرب. كشفنا مؤامرة الأحزاب مع الجيش في إغراق السودان في الانقسامات، ومؤامرة تفتيت المجتمعات وضربها ببعض. وكشفنا الأكذوبة الكبرى “سقطت سلطنة دارفور عام 1916 لأن جيش السلطان علي دينار كان بدائياً أمام مدافع الماكسيم البريطانية”. كانت تلك السردية التي أرادوا بها ترسيخ الهزيمة النفسية في إنسان غرب السودان.

لكن الحقيقة التي تخفيها الوثائق السرية البريطانية، وتهمس بها الذاكرة الشفهية للأجداد، هي أن السلطنة لم تسقط عسكرياً.. بل سقطت أخلاقياً بالخيانة. اليوم، وبعد أكثر من 100 عام، يعيد التاريخ عرض نفس المسرحية، لكن ممثلين جدد وأزياء رديئة. المشهد في بورتسودان اليوم يفسر كل شيء. مني أركو مناوي، جبريل إبراهيم، وبعض قادة الحركات، الذين خرجوا باسم “المهمشين” وباسم “ضحايا الإبادة”، لم يأتوا إلى المركز لهدم “دولة 56” وتفكيك الأبارتهايد. لقد جاؤوا ليكونوا “مستوطنين جدد” في نادي الفساد.

1/ جذور الكليبتوقراطية وتطبيقها الاستخباراتي: الدولة كغنيمة

الكليبتوقراطية (أو حكم اللصوص) هو نظام حكم يعتمد على النهب المنهجي لموارد الدولة. بدأت هذه الظاهرة مع نخبة الخرطوم التي زارت بريطانيا عام 1919 لتهنئة الملك جورج الخامس بانتصار الحرب العالمية الأولى، مما يرمز إلى ولاء النخب المركزية لنظام المستعمر الذي يحمي مصالحها. عند استقلال السودان عام 1956، كان الجنيه السوداني يعادل نحو 2.87 دولار أمريكي، لكنه انهار إلى أقل من 0.00025 دولار اليوم. هذا الانهيار المريع هو نتيجة “النهب المصلح” الممنهج للموارد. انهارت الدولة لأن الكليبتوقراطية لم تسرق المال فقط، بل أعادت تصميم الدولة كآلة لإنتاج الريع عبر الحروب.

التطبيق العملي: الاستخبارات و”التعهيد الأمني”

كيف يُدار هذا النظام على الأرض؟ تقرير (Enough Project) يقدم الإجابة العملية، واصفاً السودان بأنه “دولة مختطفة” تعمل فيها المؤسسات لمصلحة قلة حاكمة. ضمن هذا المنطق، لا يكون التعاطي مع العنف جنائياً، بل “وظيفياً”.

هنا ابتكرت الاستخبارات العسكرية مفهوم “التعهيد الأمني”: بدلاً من أن تدفع الدولة تكلفة ضبط الأطراف، تُترك مجموعات بعينها لتقوم بدورٍ ما، مراقبة، ردع، حماية حدود، أو حتى خلق “ضجيج” دائم. هذه ليست مؤامرة كرتونية؛ هذا منطق دولة تعتبر الأطراف مساحة إدارة تهديدات لا مساحة مواطنة.

في الثمانينيات والتسعينيات تمّت “عسكرة الجريمة” في دارفور في بيئة حدودية رخوة، فتداخلت التجارة العابرة والتهريب والسلاح مع شبكات الحماية القبلية. ورقة “مسح الأسلحة الصغيرة” تضع إطاراً بالغ الدلالة: مع الزمن لم تعد دارفور ساحة صراع سياسي فقط، بل مساحة تتكاثر فيها الدوافع الاقتصادية داخل التمرد نفسه.

بذلك، في السودان لم تكن الكليبتوقراطية “فساداً” يلتصق بالدولة من الخارج، بل مشروعاً يعيد تعريف الدولة نفسها: سلطة تُدار كغنيمة، ومؤسسات تُصمَّم كي تسرق، وحروب تُشعَل كي تُخفي السرقة وتطيل عمرها.

2/ النهب المصلح / المسلح: الجريمة التي صارت “مورداً سياسياً”

إذا أردتَ أن تفهم لماذا انهارت الدولة، ابدأ من دارفور قبل أن تبدأ من القصر في الخرطوم. ففي الثمانينيات والتسعينيات ظهر مصطلح “النهب المسلح” بوصفه وصفاً أمنياً لجريمة؛ لكنه في الحقيقة كان “اللغة البريئة” لمرحلة تأسيسية أخطر: مختبرٌ أول لصناعة المليشيا الحديثة، وتدريبٌ مبكر على اقتصاد القوة خارج القانون، ثم إعادة تدوير هذا الاقتصاد داخل السياسة لاحقاً.

في السرد الرسمي قُدِّم النهب المسلح كقطاع طرق يهاجمون قوافل ومارة، وفي السرد الثوري اللاحق جرى تهميش هذه الحقبة حفاظاً على “نقاء البدايات”. لكن القراءة السياسية الأعمق تقول إن النهب المسلح لم يكن انحرافاً عابراً، بل “رأس مال بدائي” يراكم السلاح والمال والرجال والهيبة، وهي المواد الخام التي لا تقوم مليشيا بدونها.

3/ من “عصابة” إلى “تنظيم”: كيف تُصنع المليشيا قبل أن تُعلن نفسها؟

النهب المسلح لم يولد كفكرة سياسية، بل كحرفة في فراغ الدولة. و فراغ الدولة كان قرار كليبتوقراطي من الدولة. سرعان ما تطور إلى بنية لها رأس مال، وسلسلة إمداد، وعائد متوقع. السلاح القادم من حروب الجوار لا يأتي وحده؛ يأتي معه “مقاتل محترف”، وتكتيك كمين، وخبرة طرق، وثقافة تعتبر الغنيمة أجرَ المخاطرة.

هكذا، تتحول الجريمة من فعلٍ فردي إلى “مؤسسة” استخباراتية: رجال، تموين، آبار، مسارات، تجار شراء، ووساطات اجتماعية. الخطير أن هذا الاقتصاد لا يحتاج شرعية كي يعيش، لأنه يخلق شرعيته من اختفاء الدولة ، ومن القوة العسكرية: من لا يدفع يُعاقَب، ومن لا ينصاع يُنهَب، ومن يعترض يُصنَّف “عدواً”. هذه هي المرحلة التي تتكوّن فيها “المليشيا قبل اسم المليشيا”: حين يصبح التنظيم ضرورةً لضمان الربح والاستمرار.

في هذه المرحلة يظهر أخطر أنواع القادة: القائد الرمادي الذي لم يتدرب على السياسة العامة ولا على أخلاق الدولة، بل على إدارة الغنيمة وتوزيع السلاح والتفاوض تحت الضغط. وهذا يفسر لماذا تنجح بعض التكوينات المسلحة في القتال سريعاً، لكنها تفشل في الحكم.

4/ غسيل السمعة: عندما تُسيَّس الجريمة وتُمنح لغة “الثورة”

حين يقترب أي مسار سلام في مكان ما، تشعر شبكات الحرب أن رزقها مهدد؛ لأن السلام يعني ضرائب شفافة، ورقابة، ومساءلة، ونزع سلاح. هنا يظهر التحول الكبير: بدل أن تُغلق ورشة العنف، تُعاد تسميتها.

التمرد نفسه يمكن أن يتشظى بفعل الحوافز المادية، وينتج قادة تدفعهم المكاسب أكثر من الدوافع السياسية، خصوصاً حين تُصبح عملية السلام “سوقاً” للمناصب والبدلات والاعتراف. في هذه البيئة يصبح رفع شعار التهميش – وهو شعار يستند إلى مظالم حقيقية – قابلاً للاختطاف من قبل لاعبين براغماتيين يرون فيه وثيقة تأمين: يغسل الماضي، ويضمن التفاوض، ويُبقي السلاح “شرعياً” تحت اسم جديد.

وهنا يسقط القناع الرومانسي: ليس كل من حمل السلاح لصّاً، وليس كل من رفع شعاراً ثائراً صادقاً؛ لكن المختبر الذي صنع النهب المسلح سهّل لاحقاً اختلاط الخطّين حتى أصبح فرز الصادق من المستثمر مهمة شبه مستحيلة.

5/ دارفور كستار للخرطوم: النهب المسلح يغطي “النهب المصلح”

في الخرطوم تُنهب قطاعات كبرى (نفط/ذهب/أرض/شبكات أمن واقتصاد)، بينما في دارفور تُترك حياة الناس في دوامة تهجير وخوف ونهب مسلح، فتتراجع القدرة على التنظيم والمطالبة بالحقوق.

النهب المسلح في دارفور لم يكن نقيضاً للنهب المصلح في المركز؛ بل كان صورته الشعبية الخشنة، وأداته لإضعاف المجتمع الأكبر في السودان. في المركز تُدار الغنيمة بالملفات والشركات والواجهات، وفي الأطراف تُدار الغنيمة بالبندقية والتويوتا. لكن المبدأ واحد: موارد عامة تتحول إلى ملك خاص تحت حماية العنف وإفلات من العقاب.

لهذا، حين نكتب عن “انهيار الدولة السودانية” لا يكفي أن نُدين اللصوصية كممارسة فردية؛ يجب أن نسمّي النظام باسمه: كليبتوقراطية تقتات على الحروب، وتخلق من الجريمة قوة سياسية، ثم تبيع للمجتمع أوهاماً عن الأمن والثورة والوطن بينما تسحب من تحته أساس الدولة.

خاتمة: البندقية لم تكن وسيلة احتجاج… كانت وسيلة ترقٍ

في (1916) رأينا “مدرسة الوسيط المستفيد”: التحالف مع القوة الغالبة لكسر الخصم المحلي. وفي (1956–2026) نرى المدرسة المكملة: تحويل العنف إلى اقتصاد، ثم تحويل الاقتصاد إلى شرعية، ثم تحويل الشرعية إلى تمثيل سياسي وشيكات. هذه السلسلة هي الجسر الذي عبرت فوقه دارفور من التنافس على الموارد إلى صناعة المليشيات المتاجرة بقضايا الهامش.

إرسال التعليق

لقد فاتك