آدم الحاج : قراءة تحليلية في الشأن السياسي والقانوني …السوداني الإجابة على أسئلة أسباب الحرب… المدخل الحقيقي للسلام المستدام
مدخل تحليلي
كل حرب تطرح سؤالًا سابقًا عليها: لماذا اندلعت؟
غير أن المجتمعات المنهكة غالبًا ما تنشغل بوقف الرصاص قبل أن تتوقف عند جذور الأزمة. ورغم أن إيقاف القتال ضرورة إنسانية عاجلة، فإن السلام الحقيقي لا يبدأ من خطوط التماس، بل من مواجهة الأسئلة الصعبة التي أُجِّلَت طويلًا.
إن الإجابة الصادقة والعلمية عن أسباب الحرب ليست تمرينًا سياسيًا، بل شرطًا تأسيسيًا لأي سلام مستدام.
أولاً: تعدد السرديات وغياب التشخيص المؤسسي
في النزاعات المعقدة، تتنازع الأطراف روايات متباينة:
منها من يختزل الحرب في صراع شخصي على السلطة، ومنها من يربطها بإعادة ترتيب موازين القوى داخل المؤسسة العسكرية، ومنها من يُحيلها إلى تدخلات خارجية.
غير أن اختزال الأسباب في عامل واحد يُنتج تسوية سطحية. فالحروب الأهلية غالبًا ما تنشأ من:
هشاشة مؤسسات الدولة وضعف احتكارها للعنف المشروع.
تسييس المؤسسة العسكرية وازدواج مراكز القرار.
غياب مشروع وطني جامع بعد التحولات السياسية.
اختلال توزيع الموارد والثروة بين الأقاليم.
توظيف الهويات القبلية أو الأيديولوجية في الصراع السياسي.
غياب التشخيص الدقيق يحول اتفاقات السلام إلى مجرد هدنة مؤقتة.
ثانياً: العلاقة بين معرفة السبب وتصميم الحل
لا يمكن معالجة أزمة لم تُشخَّص بدقة.
فإذا كان جوهر الصراع مؤسسيًا، فإن الإصلاح يبدأ بإعادة بناء المؤسسات.
وإذا كان دستوريًا، فالمعالجة تبدأ من إعادة صياغة العقد الاجتماعي.
وإذا كان اقتصاديًا، فلا بد من تفكيك شبكات المصالح التي تغذت على اقتصاد الحرب.
السلام ليس إعلانًا سياسيًا، بل عملية إعادة تأسيس للدولة على قواعد جديدة من الشفافية والمساءلة والمهنية.
ثالثاً: العدالة الانتقالية كضمانة لعدم التكرار
تجاهل أسباب الحرب يعني القبول الضمني بإمكانية تكرارها.
وهنا تبرز أهمية العدالة الانتقالية باعتبارها آلية قانونية وأخلاقية لكشف الحقيقة، ومساءلة المسؤولين، وجبر الضرر.
الإفلات من العقاب لا يحقق الاستقرار، بل يؤجل الانفجار القادم.
أما الاعتراف بالحقيقة وتحمل المسؤولية، فيؤسس لمصالحة حقيقية لا تقوم على النسيان القسري، بل على الوعي الجماعي بما حدث.
رابعاً: خطورة القفز فوق الأسئلة الصعبة
تُطرح أحيانًا دعوات إلى “تجاوز الماضي” بحجة الحفاظ على وحدة الصف. غير أن تجاوز الأسباب دون معالجتها يشبه بناء سقف فوق أساس متصدع.
السلام المستدام يتطلب شجاعة سياسية وأخلاقية للاعتراف بالأخطاء، ومراجعة السياسات، وإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين المدنيين والعسكريين، وبين المركز والأقاليم.
فالسلام ليس مساومة مؤقتة، بل مشروع إعادة بناء شامل.
خاتمة
الإجابة على أسئلة أسباب الحرب ليست رفاهية فكرية، بل مسؤولية وطنية تجاه الضحايا، وضمانة أخلاقية للأجيال القادمة. فالأمم التي لا تواجه تاريخها بصدق، تظل رهينة لدورات العنف المتكررة.
السلام يبدأ بالحقيقة، ويستمر بالإصلاح، ويترسخ بالعدالة.
الدولة التي لا تواجه أزماتها بشجاعة، تظل أسيرة لتكرارها.


إرسال التعليق