​مليح يعقوب : قهر الركام: صمود الفن السوداني في وجه آلة الحرب - صوت الوحدة

​مليح يعقوب : قهر الركام: صمود الفن السوداني في وجه آلة الحرب

​قبل أن نستفيض في تحليل مآلات الحرب وخطورتها على مستقبل الثقافة والفنون في السودان، نجد لزاماً علينا أن نقف وقفة إجلال، نترحم فيها على أرواح المبدعين؛ من شعراء وملحنين، وعازفين وفنانين، وأدباء وكُتّاب، ومفكرين ومسرحيين، وتشكيلين. أولئك الذين فقدناهم في أتون القصف العشوائي، أو عبر التصفيات الجسدية القائمة على الانتماءات السياسية والخلفيات الجهوية، أو ممن غيَّبهم الموت قسراً تحت وطأة الصدمات النفسية، وفي ظل انعدام الرعاية الصحية والفقر الذي خلفته الحرب. كما لا يفوتنا أن نتساءل بمرارة عن مصائر مبدعين اختفوا فجأة من المشهد في ظروف غامضة، وتواروا عن الأنظار دون أن نعلم عنهم شيئاً، تاركين خلفهم فراغاً لا يملؤه إلا الأسى.
​إن المتأمل لمجريات الحرب الدائرة يدرك بجلاء أنها لم تكتفِ بتدمير البنية التحتية المادية، بل توغلت لتضرب عمق الوجدان الثقافي والفكري، ملقية بظلالها القاتمة على جمهور الفن وصُنّاعه، مما أدى إلى شلل تام في الحراك الإبداعي بمختلف ولايات البلاد. لقد أضحى المبدعون من أكثر الشرائح تضرراً؛ إذ تقطعت بهم السبل بين نزوح مرير في الداخل، ولجوء قسري إلى دول الجوار، ليعيش كثير منهم حياة التشرد بلا مأوى. أما من آثروا الصمود في الداخل، فقد واجهوا معاناة قاسية لتأمين أدنى مقومات البقاء، وعجزوا عن ممارسة نشاطهم الفني في ظل مناخ أمني واقتصادي خانق.
​يخيم الخوف اليوم على الأوساط الإبداعية؛ حيث بات المبدع يخشى الجهر برؤيته حول سبل إيقاف الحرب وإحلال السلام، وامتنع كثيرون عن توظيف فنهم لتوصيف هذه المأساة للعالم؛ تحسباً لبطش “سلطات” اعتادت شيطنة وتخوين كل صوت لا يغني في سربها. وبناءً على ذلك، نلاحظ أن الهاجس الأمني قد طغى لدى أغلب الفنانين على الشغف الإبداعي، وانتابتهم حالات من الكبت نتيجة مصادرة حريات التعبير. لقد باتوا ينظرون إلى “الدولة” بوصفها مركزاً للصراع والتضييق، لا فضاءً للجمال والحرية، مما أدى إلى خيبة أمل عميقة في تطلعات الإصلاح والتغيير.
​هذه الحرب لم تعزل الفنان عن أدواته فحسب، بل حفرت فجوة سحيقة بينه وبين جمهوره؛ ذاك الجمهور الذي بدأ هو الآخر يفقد شغفه المعهود، منصرفاً عن تذوق الفن إلى معركة تأمين الرغيف والبقاء. ومع تطاول أمد النزاع، انعدمت المحفزات لمزاولة المهن الموسيقية والمسرحية، وفقد المبدعون مصادر دخلهم، مما اضطر الكثيرين منهم إلى هجر تخصصاتهم أو الهجرة بحثاً عن بدائل للعيش الكريم.
​وعلى صعيد البنية الثقافية، تعرضت المؤسسات للسرقة والتلف و للتخريب العشوائ ؛ من مسارح، وصالات، ومنتديات، ومراكز شباب، وصولاً إلى مقار الإذاعات والتلفزيونات وشركات الإنتاج. أما الذين غادروا الوطن، فهم يواجهون اليوم تحديات الغربة واختلاف الذائقة، فضلاً عن تكاليف الإنتاج الباهظة التي تفوق قدراتهم الفردية.
​ختاماً، ورغم أن الحرب أورثت الوسط الفني حالة من الركود وتراجعاً ملموساً في وتيرة الإبداع، إلا أنه ومن قلب هذا الركام، انبعثت ثلة من المبدعين الذين نجحوا في نقل وجع الإنسان السوداني إلى آفاق العالم. لقد أثبتت هذه التجارب الصامدة أن روح الفن قد تمرض بفعل الرصاص، وقد تئن تحت وطأة النزوح، لكنها أبداً لا تموت؛ فالفن هو الحصن الأخير الذي يقهر الركام ويعيد صياغة الحياة.

إرسال التعليق

لقد فاتك