مجدي محمد : الكتاب الأول: جذور الأزمة والهندسة الاجتماعية(3) - صوت الوحدة

مجدي محمد : الكتاب الأول: جذور الأزمة والهندسة الاجتماعية(3)

الاستعمار، السلطنة، والقبيلة: قراءة غير رومانسية لسقوط السلطان على دينار

“الاقتصاد السياسي للعمالة”
بعد انهيار الدولة المهدية بهزيمة كرري (أم درمان) 1898، عاد السلطان علي دينار – المنتمي لأسرة الكيرا – إلى دارفور وتمكن من إعادة ترميم السلطنة في ظروف بالغة التعقيد.

في الذاكرة السودانية العامة التي رسخته المناهج التعليمية لدولة 56 القائمة على (التزوير)، يُختزل سقوط سلطنة دارفور (1916) في مشهد درامي: السلطان علي دينار يرفض الانصياع للإنجليز، يتحالف مع الخلافة العثمانية، ثم يقتل أثناء الهروب في (جبل مرة). لكن التاريخ الحقيقي، المدون في تقارير الاستخبارات البريطانية (Sudan Intelligence Reports)، أكثر تعقيداً وقسوة.

لم تسقط السلطانة بقوة “الماكسيم” (الرشاشات الإنجليزية)، كما روج الإنجليز و فلاقنتهم، بل سقط لأنهم تمكنوا من اختراق وتفتيت جبهته الداخلية. لقد نجح الإنجليز في اختراق النسيج القبلي لدارفور قبل أن يطلقوا رصاصة واحدة. وفي قلب هذه الاستراتيجية، لعبت بعض الزعامات القبلية دور “بيضة القبان”.

هذا المقال يفكك سردية “المكسيم” الساذجة، ليستبدلها بتحليل “البراغماتية السياسية” التي حكمت خيارات القبائل في ذلك الوقت، وكيف أسست لنمط علاقة مستمر حتى اليوم: التحالف مع “المركز” لكسر شوكة “المنافس المحلي”.

1/ إعادة ترميم (السلطنة) وأحلام إنقاذ العالم الإسلامي؟

تمكن علي دينار وحلفاءه من جميع القبائل الدارفورية من إعادة ترميم سلطنتهم رغم جراح الهزيمة في كرري. استطاعوا خلال وقت وجيز تطوير مؤسسات الإدارة السلطانية (مجلس السلطان، جهاز الكتاب، تنظيم الضرائب). فتح طرق وتنظيم الأسواق. إنشاء حدائق عامة، ومجاري للمياه، بل وسكّ عملة خاصة بالسلطنة تعكس نزعة إلى إظهار السيادة و القوة والاستقلال المالي. مع الإبقاء على شبكة “الملوك” والعمد والشيوخ من الفور والقبائل الأخرى، وإعادة ترتيب الولاءات وربطها مباشرة بالقصر في الفاشر. كما رسخوا علاقة وطيدة مع جيرانهم في ليبيا السنوسي و(وداي) تشاد.

حاول علي دينار إنقاذ دولة (وداي) المجاورة، ودخل في تعقيدات صراعها مع فرنسا، وبعد هزيمة حلفائه (وداي) أمام الفرنسيين 1913، أصبحت فرنسا تراقب تحركاته عن كثب. في ذات العام تمكنت المخابرات الفرنسية من رصد وصول قوافل محملة بـ 300 بندقية حديثة مع عدة مئات من صناديق الذخيرة من الزعيم الليبي أحمد الشريف السنوسي إلى السلطان علي دينار عبر “درب الأربعين”. القافلة جاءت بعد زيارة رسمية قام بها القائد العام لجيش السلطان (رمضان ود برّه) الى ليبيا ومقابلة السنوسي. حصل الفرنسيين على ما أسموه (خطة فك الحصار عن العالم الإسلامي). عبر هجوم متزامن يشنه كل من على دينار والسنوسي والقوات العثمانية. سلطنه دارفور تشن هجوما على الانجليز في الشرق وعلى الفرنسيين في الغرب، بينما السنوسي يشن هجوما على الطليان في ليبيا والإنجليز في مصر بالتزامن مع هجمات العثمانيين في كل المحاور. هنا، اتخذت لندن القرار يجب تصفية علي دينار قبل أن يتحول جيشه إلى قوة حديثة.

2/ الاستراتيجية البريطانية: شراء الولاءات (الذمم)

كانت بريطانيا في سباق مع الزمن، وأدرك القادة العسكريون البريطانيون (وينجت وكيلي) أن غزو دارفور عسكرياً في تضاريسها الصعبة مستحيل دون دعم محلي. الخطة: بدلاً من المواجهة الشاملة، أرسلوا مبعوثين سريين وعطايا للزعامات القبلية الناقمة على علي دينار. الرسالة كانت واضحة: “ساعدونا في التخلص من السلطان، وسنمنحكم استقلالاً ذاتياً وحماية ورتباً إدارية”. هنا جاء دور أحمد محمد قدح الدم!

من هو أحمد محمد قدح الدم؟

والده الفقيه (محمد كورِنجة) قدم من شمال نيجيريا من أسرة برناوية في طريقه للحج، واستقر في الفاشر وتزوج من بيت السلطان محمد الحسين، فولِد أحمد هناك. انضم أحمد إلى جيوش المهدية وشارك في معارك عديدة حتى كرري 1898، رغم أن كل أبناء غرب السودان كانوا هدفا بعد سقوط المهدية، الا ان احمد قدح الدم استقر بأم درمان، وصار زعيماً روحياً لأهل غرب السودان وغرب إفريقيا القادمين للحج عبر السودان. بنى مسجداً باسمه في العباسية (أم درمان) سنة 1898، واستخدم نفوذه الروحي والاجتماعي في تهدئة الأحوال بعد سقوط المهدية، ما لفت انتباه الإدارة الاستعمارية. بينما تذكره مستندات متحف الحرب الإمبراطوري في لندن Imperial War Museum، بوصفه شخصاً كان ينقل ما يجري في مجلس الخليفة عبد الله التعايشي إلى ونجت باشا، ما ساهم في هزيمة الأنصار في كرري.

حينما بدأ ضابط الإستخبارات الكابتن هارولد ماكمايكل التجهيز لغزو دارفور بجمع المعلومات الاستخباراتية باعتباره المسؤول الرسمي عن جمع المعلومات الاستخبارية حول دارفور والسلطان علي دينار قبل وأثناء الحملة. لم يجد من يعينه أفضل من قريب السلطان من ناحية الأم أحمد قدح الدم.

وقد فصلت الوثيقة SAD 129/1/35 ومراسلات وينجت استراتيجية بريطانيا المنظمة لعزل السلطان علي دينار والقضاء عليه من خلال شراء الذمم.

دور الزغاوة؟ بحكم موقعهم الجغرافي في الشمال الغربي (طريق الإمداد المحتمل من ليبيا أو تشاد)، وموقعهم الاستراتيجي حول الفاشر، وبحكم أن القائد العام لقوات السلطنة هو من الزغاوة، كان ولاؤهم حاسماً. تذكر الوثائق كيف تمكن أحمد قدح الدم من استمالة بعض الزعامات (مثل الملك “جربو” وبعض من أعيان المنطقة) تعاونوا بتوفير المعلومات عن تحركات جيش السلطان، وتوجيه الحملة الإنجليزية عبر آبار المياه الآمنة، وحرمان السلطان على دينار من الإسناد بقطع الطريق مع ليبيا، لكن أعظم خدمة قدمها الملك “جربو” كانت كشفه لخطة القائد العام لجيش السلطان (رمضان ود برّه). “رمضان علي” الملقب ب برّه، أسس موقعاً دفاعياً متقناً حول قرية برنجية، حيث حفر خندقاً على شكل هلال بطول 2 كيلومتر، مخفي عن القوات البريطانية المتقدمة بواسطة وادٍ. كانت خطته أن تتقدم القوات البريطانية بالقرب الكافي ليكمن لهم بنظام الخنادق، مقدراً أن قوته الأكبر عدداً ستطغى على مدفعيتهم ورشاشاتهم قبل أن تتسبب في أي ضرر جسيم لقواته. انكشاف الخطة تسبب في مجزرة راح ضحيتها عدد من الأبطال على رأسهم القائد العام لجيش السلطان رمضان برّه.

بعدها لعب الناظر (علي التوم) ناظر الكبابيش وأحمد قدح الدم دور رئيسي في تفتيت الدائرة الضيقة للسلطان، حتى تمكنوا من معرفة مكان معسكر السلطان في منطقة (كولمي) قرب جبل “جووبا” جنوب زالنجي بعد انسحابه من الفاشر.

باغتت القوات البريطانية معسكر السلطان السري عند الفجر يوم 6 نوفمبر 1916 وقامت بتصفيته وعدد من أبنائه وقادة الدولة. وقد تمت مكافأة على التوم بمرافقة وفد (أعيان الخرطوم) الذي زار بريطانيا في 1919 لتهنئة الملك جورج بالانتصار في الحرب العالمية الأولى وبالقضاء على السلطان علي دينار ، بينما طوى النسيان الملك جربو.

3/ بين “قدح الدم” و”جربو” خيانة ذوي القربى

لم يهزم الإنجليز جيش السلطان بالقوة العسكرية، بل انتصروا بالخيانة وكشف موقع الخنادق للغزاة، مما حول الخطة الدفاعية إلى مقبرة جماعية. هنا تجلت المعادلة الأولى: مات (رمضان برّة) لأنه صدق قضية الأرض، وعاش (جربو) مكرماً لأنه صدق وعود المستعمر. كانت تلك هي “الخطيئة الأصلية” التي أسست لشرعية العمالة في دارفور.

الخيانة خيار طبقي وليست جينة قبلية، علي دينار وبعض أعوانه دخلوا في لعبة دولية بالتعاون مع السنوسي ودولة (وداي) وتركيا العثمانية، تراودهم احلام إنقاذ العالم الإسلامي، لم تكن تلك اللعبة واضحة لمعظم القيادات القبلية في دارفور. لذا فإن استخدام مصطلحات وطنية عاطفية لا يفيد هنا. الحقيقة هي أن أحمد قدح الدم والناظر علي التوم وجربو لم يكونوا مجرد متعاونين، بل كانوا تلامذة “الآباء المؤسسين” لمدرسة سياسية سودانية كاملة: مدرسة “الوسيط المستفيد” بقيادة عبد الرحمن المهدي وعلي الميرغني وآخرين. في تلك اللحظة، تشكل تحالف غير مكتوب بين “الاستعمار” و”النخبة المحلية الطامحة”. أدرك هؤلاء أن “الوطنية” مكلفة ومميتة (مصير علي دينار ورمضان برّة)، بينما “العمالة” مربحة وآمنة (مصير علي التوم وقدح الدم).

هذه المدرسة هي التي رسختها نخب “الجلابة” في الخرطوم لاحقاً، واحتكرت عبرها السلطة: التعاون مع الخارج لضرب الخصم الداخلي، و شراء الذمم.

4/ المكافأة: تأسيس “الأرستقراطية” ومدرسة احتكار العمالة كـ “ماركة مسجلة

بعد مقتل علي دينار وسقوط الفاشر، وفى الإنجليز بوعودهم جزئياً.

النظام الجديد: أسس البريطانيون نظام “الأرستقراطية” الطفيلية في الخرطوم ونظام “الإدارة الأهلية” في الأقاليم، تم تثبيت الزعماء الذين تعاونوا كـ “نظار” و”شراتي” و”ملوك” بصلاحيات واسعة جداً (قضائية ومالية). و تم ابعاد كل من له نزعة استقلالية.

الأثر المستدام: تعلمت (النخبة المتفلقنة) درساً تاريخياً: “الشرعية والسلطة تأتي من الخرطوم (المركز)، وليس من التمرد عليه للأبد”. التمرد وسيلة للتفاوض، لكن الهدف النهائي هو الشراكة مع المركز في نهب ثروات البلاد.

5/ من “جربو” إلى “مني أركو مناوي” حين ينافس “الجندي” سادته في السوق

إذا نظرنا بعين فاحصة، لم يكن التعاون مع الاستعمار في عامي 1898 و1916 يُصنف كـ “عار” في قاموس فاعليه آنذاك، بل كان يُمارس كنوع من “الدهاء السياسي” الضروري لصناعة النفوذ. متدثرا بانتهاكات الدولة المهدية (المزعومة)، هذا “الإرث البراغماتي” هو ذاته الذي يستند إليه بعض قادة الحركات المسلحة اليوم؛ فتحالفاتهم المتقلبة في نظرهم ليست خيانة للثورة أو حقوق الهامش، بل هي “تكتيكات” ضرورية لضمان البقاء في دائرة المصالح.

لكن السؤال الجوهري هنا: لماذا تشن نخب المركز (الجلابة) حملات شعواء ضد “مناوي” وتوصمه بالارتزاق، حتى و هو يقاتل دفاعا عن حكمهم؟ رغم أنه يمارس نفس اللعبة التي أتقنوها تاريخياً،

الإجابة لا علاقة لها بالأخلاق، بل بـ “قواعد المنافسة”.

نخب المركز ترى في “البراغماتية السياسية” (أو الخيانة) امتيازاً حصرياً لها، وماركة مسجلة باسمها. المعادلة التاريخية لديهم واضحة: هم “السادة” الذين يعقدون الصفقات في الغرف المغلقة، أما “الغرابة” فهم الجنود الذين وظيفتهم الموت بشرف في الخنادق (كما فعل السلطان علي دينار ورمضان برّة). خطيئة مناوي الكبرى في نظرهم ليست “خيانته” لقضيته، بل قراره بمغادرة “خندق” الشرف وارتداء “بدلة” الخيانة. لقد جن جنونهم لأنه بدأ يفاوض، يناور، يبيع، ويشتري مثلهم تماماً.

إنهم لا يكرهون فساده، بل يكرهون “تطاوله على مهنتهم”.

إنهم يخشونه لأنه كسر القاعدة المقدسة: “الفلنقاي” لا يجب أن ينافس “السيد”.

لذا، فإن احتفاء نخب الجلابة بأي صوت يهاجم مناوي ليس حباً في الحقيقة أو نزاهةً، بل هو رغبة دفينة في تحطيم “مُنافس تجاري” جديد وجريء ظهر فجأة في سوق السياسة السودانية القذر، وهدد احتكارهم التاريخي لآليات البيع والشراء.

6/ الخاتمة:
مقتل السلطان علي دينار لم يكن نهاية دولة مستقلة بقدر ما كان بداية لنهج سياسي استعماري في السودان. نهج يكافئ “التعاون” مع المستعمر (أو الخارج) بالمناصب والثروة، ويعاقب “المقاومة” بالموت والنسيان. الصور التي في الأرشيف البريطاني لا تكذب: بينما كان جسد السلطان يبرد في العراء، كان بعض أقرباءه وقادته السابقون يرتبون هندامهم لالتقاط الصور مع السادة الجدد. تلك كانت اللحظة التي تغير فيها وجه دارفور، والسودان، للأبد.

في الحلقة القادمة: كيف تحول ‘قطاع الطرق’ إلى جنرالات؟ وكيف استبدلت بعض الحركات المسلحة “الولاء للمستعمر” بـ “الولاء للممول”؟ قراءة في ملفات “النهب المسلح.”

من

إرسال التعليق

لقد فاتك