​مليح يعقوب : خارج مدار التبعية: تفكيك بنية الامتياز ورهانات السودان التأسيسي - صوت الوحدة

​مليح يعقوب : خارج مدار التبعية: تفكيك بنية الامتياز ورهانات السودان التأسيسي

​مقدمة: أزمة الوعي والخلل البنيوي
​ثمة خللٌ بنيويٌ ضاربٌ في جذور العقل الجمعي السوداني، يتبدّى بوضوح في طرائق إدارة الدولة والعمل السياسي؛ إذ تعرضت قطاعات واسعة لعمليات ممنهجة من “تزييف الوعي”، جعلتها فريسةً لثقافة سياسية قوامها الولاء المطلق والتبعية العميقة.
​إنها ثقافةٌ صاغتها “النخبة النيلية” بعناية فائقة، عبر الاستثمار في التقاطعات الأيديولوجية والدينية والجهوية. هذا السلوك “الامتيازي” لم يتوقف عند حدود السلطة، بل مارسته النخبة على مستويات الأسرة، القبيلة، والمجتمع. لقد صدّرت هذه النخبة أزمتها الفكرية عبر أحزابها المركزية —سواء كانت في سدة الحكم، أو على دكة البدلاء، أو في خنادق المعارضة— من حيّز النخب الضيّق إلى الفضاء العام، متخذةً من فئات عريضة “مصداتٍ” بشرية، شملت الموالين ومن اصطُلح على تسميتهم بـ “حملة الأباريق” وخدم المركز. فالنخبة المركزية، بجناحيها الحاكم والمعارض، هي من رسّخت سيكولوجية التبعية، وعزّزت ثقافة الجدل العقيم والمغالطة التاريخية في الوجدان السوداني.
​أولاً: تجريف الحياة السياسية والفساد الأيديولوجي
​يبرز “الإسلامويون” كأكثر الفئات توغلاً في تجريف الحياة السياسية؛ فهم من بذر سموم التطرّف والإرهاب الفكري في الأوساط العامة والمحافِل الجامعية، وأسرفوا في المناورات السياسية طلباً للسلطة والمال، غارقين في لُجّة فسادٍ إداري وأخلاقي غير مسبوق.
​ولم يكتفِ هؤلاء بتكريس “الاقتصاد الطفيلي” ونشر أدوات الرعب، بل انتهجوا القتل الممنهج على أسس الهوية والعرق واللون والقبيلة لضمان ديمومة تسلّطهم. إن النخبة المركزية —بشقيها—الحاكمة والمعارضة__ تُمثّل في جوهرها نكبةً وطنية، ولا سيما “الفلول” والانتهازيين الذين يشكلون القاسم المشترك في كل الأزمات. فمنذ الانقلاب على الديمقراطية عام 1989م، ظل هؤلاء هم “الثابت” في بنية الدولة، بينما ظل الآخرون مجرد “متغيرات” تُستدعى لإكمال المشهد الديكوري للسلطة، أو تُستخدم كدروع بشرية لحماية العروش الواهية.
​ثانياً: سياسة التناقضات وتمزيق الوجدان الوطني
​برعت سلطة “بورتكيزان” في اللعب على حبال التناقضات؛ فاستقوت بالمليشيات كأدوات قمعية ضد الثوار، واستعان “الكيزان” بقوى جهوية ومرتزقة، وصولاً إلى محاولة تذويب مؤسسة الجيش داخل أطر مليشياوية إرهابية. هذه الثقافة الإقصائية هي التي مزقت وجدان البلاد وقادت إلى انفصال الجنوب، وصولاً إلى محرقة الحرب الراهنة بين قوات الدعم السريع و”كيزان” الجيش المختطف.
​إن السودان يعاني اليوم من بيئة سياسية مأزومة، تقوم على التبعية والجمود وتطرد الابتكار. وقد عجزت “الأحزاب النيلية” عن تقديم حلول لهذه الاختلالات بعد أن فقدت بوصلتها، وتحولت من منصات للإنتاج المعرفي إلى حشود تهدف لـ “خمّ” الجماهير وتضليلها. لقد وقعت هذه الأحزاب صك وفاتها حين أهملت التنوع العرقي والثقافي، وحولته من مصدر إثراء إلى فتيلٍ للاشتعال والنزاع.
​ثالثاً: مسؤولية “الهامش” والتحولات الكبرى
​في حين استأثر أبناء الشمال والوسط بالامتيازات التاريخية —تنميةً وتعليماً— بحكم التموضع الجغرافي، لا يمكن إعفاء “الهامش” من المسؤولية التاريخية؛ فقد عانى هو الآخر من تشرذم الرؤية، والانقسامات الإدارية والمناطقية والجهوية، مما منح “الكيزان” ثغرة ذهبية لتطبيق سياسة “فرق تسد”.
​لكن، ومن مفارقات هذه الحرب الكارثية، أنها قلبت موازين اللعبة، وكسرت القيود الفكرية الصدئة، وأعادت صياغة مفاهيم الشعب تجاه الدولة والهوية. ومن رحم هذا الواقع الأليم، برز مشروع “تحالف السودان التأسيسي”، الذي يطرح الفيدرالية، والعلمانية، والتنمية المتوازنة كبديل حتمي لسلطة الامتياز الفاشلة.
​خاتمة: بين “التأسيس” ورهانات الاستعادة
​رغم أن مشروع “التأسيس” يمثل الطرح الأقوى نظرياً وفكرياً في الراهن السياسي، إلا أن نجاحه يظل رهيناً بتجاوز العقبات العملية وتقديم كفاءات وطنية حقيقية تتجاوز خطاب الأزمات.
​وفي المقابل، نجد ما يمكن تسميته بـ “تحالف الصمود” الهارب، الذي يلهث خلف استعادة امتيازاته التاريخية عبر الارتهان للخارج، متناسياً أن الواقع الجديد لا يقبل المساومات أو “المحاصصات” الحزبية الضيقة التي تتعارض مع المصلحة الوطنية العليا. لقد سئم الشعب السوداني من تكرار الوجوه ومن “تجريب المجرب”، ولن يقبل بالحلول الجزئية، بل سيوصد الأبواب في وجه كل من يحاول إعادة إنتاج الأزمات في سودان المستقبل

إرسال التعليق

لقد فاتك