آدم الحاج | على تخوم التغيير | : الدبلوماسية الإقليمية المُسيَّسة: حين تتحالف الأنظمة وتُهمَّش الشعوب
مصر والسعودية نموذجًا
في النظرية السياسية الحديثة، تُعرَّف الدبلوماسية بأنها أداة إدارة المصالح الوطنية للدولة، لا وسيلة لحماية النظام الحاكم. لكن في السياق الإقليمي العربي، كثيرًا ما يحدث خلطٌ مقصود بين الدولة باعتبارها كيانًا قانونيًا يمثل شعبًا، وبين النظام باعتباره سلطة سياسية تسعى إلى البقاء والاستمرار.
هنا يبدأ الانحراف.
تتحول السياسة الخارجية من تعبير عن إرادة شعبية ومصلحة وطنية جامعة، إلى شبكة تضامن بين أنظمة تخشى التغيير أكثر مما تخشى الفوضى، وتخاف من الديمقراطية أكثر مما تخاف من الانهيار.
أولًا: الشرعية بين النص القانوني والواقع السياسي
في القانون الدولي، تقوم شرعية أي حكومة على:
ممارسة سلطة فعلية على الإقليم.
تمثيل الشعب تمثيلًا حقيقيًا.
الالتزام بالمواثيق الدولية وحقوق الإنسان.
لكن في الممارسة الواقعية، كثيرًا ما تُختزل الشرعية إلى عنصرين فقط: السيطرة الأمنية والاعتراف الدولي. وبذلك تصبح الدبلوماسية أداة لتبادل الاعتراف بين أنظمة الأمر الواقع، بغض النظر عن طبيعة علاقتها بشعوبها.
ثانيًا: مصر – أولوية الاستقرار السلطوي
منذ 2013، تبلورت في السياسة الخارجية المصرية عقيدة واضحة: الأمن أولًا، ثم السياسة.
انعكس ذلك في:
دعم أنظمة عسكرية أو سلطوية في الإقليم.
التعامل مع ملفات ليبيا والسودان وغزة بمنظور أمني خالص.
توسيع مفهوم “الأمن القومي” ليشمل منع صعود أي نموذج سياسي قد يُلهم الداخل.
هنا تتحول الدبلوماسية من إدارة مصالح شعب إلى إدارة مخاوف نظام. فالاستقرار يُعرَّف باعتباره استمرارية السلطة القائمة، لا باعتباره عدالة اجتماعية أو مشاركة سياسية.
ثالثًا: السعودية – هندسة التوازنات لا تمكين الشعوب
شهدت السياسة الخارجية السعودية إعادة تموضع واضحة خلال السنوات الأخيرة، لكنها ما تزال تقوم على منطق إدارة التوازنات الإقليمية بما يحفظ استقرار الأنظمة، لا بما يعزز مشاركة الشعوب.
يتجلى ذلك في:
تغليب البراغماتية السياسية على الاعتبارات الحقوقية.
توظيف الأدوات الاقتصادية والاستثمارية لإعادة ترتيب المشهد السياسي في بعض الدول.
التعامل مع الأزمات الإقليمية وفق موازين القوى لا وفق معايير التحول الديمقراطي.
النتيجة: دبلوماسية تسعى إلى ضبط الإقليم، لا إعادة تشكيله على أساس العدالة والمشاركة.
رابعًا: الإشكالية الحقوقية – مسؤولية الدعم غير المباشر
وفقًا لمبدأ المسؤولية الدولية عن “المساعدة أو الإعانة”، يمكن مساءلة دولة إذا قدمت دعمًا لطرف يرتكب انتهاكات جسيمة وهي على علم بذلك.
وهنا يطرح السؤال الجوهري:
هل تصبح بعض السياسات الإقليمية شريكًا غير مباشر في إطالة أمد النزاعات أو تثبيت أوضاع تنتهك حقوق الإنسان؟
عندما يتم دعم قوى عسكرية على حساب قوى مدنية ذات حاضنة شعبية، فإن الدبلوماسية تتحول من أداة استقرار إلى أداة تعطيل للتحول الديمقراطي.
خامسًا: السودان مثالًا على اختلال المعادلة
في الحالة السودانية، بدا واضحًا أن بعض الاصطفافات الإقليمية لم تكن محايدة بالكامل، بل ساهمت في:
تعزيز أطراف بعينها،
إضعاف الحاضنة المدنية،
إطالة أمد الصراع بدل حسمه سياسيًا.
وهنا يتجلى أثر الدبلوماسية المُسيَّسة: حين تتحول الوساطة إلى إعادة ترتيب ميزان القوة لا إلى معالجة جذور الأزمة.
سادسًا: لماذا تتضامن الأنظمة ضد التحول؟
الخوف من عدوى الديمقراطية.
غياب الرقابة البرلمانية الفعلية على السياسة الخارجية.
تهميش المجتمع المدني.
احتكار تعريف “الأمن القومي”.
ضعف الإعلام المستقل العابر للحدود.
إنها منظومة مغلقة تحمي ذاتها بذاتها.
سابعًا: ما دور الشعوب في تصحيح الانحراف؟
رغم اختلال موازين القوة، تظل الشعوب الفاعل التاريخي الأعمق. ويمكن أن تلعب أدوارًا مفصلية عبر:
إعادة تعريف المصلحة الوطنية
الاستقرار لا يعني الصمت، والأمن لا يعني غياب السياسة.
المطالبة برقابة برلمانية على السياسة الخارجية
نشر الاتفاقيات، إخضاعها للنقاش العام، ووقف صفقات الغرف المغلقة.
بناء شبكات تضامن شعبية عابرة للحدود
عندما تتواصل المجتمعات المدنية، يصعب احتكار الرواية الرسمية.
توظيف القانون الدولي
التوثيق، التقاضي، وتفعيل الآليات الأممية.
ترسيخ ثقافة الشرعية الشعبية
فالاعتراف الخارجي لا يمنح شرعية إن كانت القاعدة الداخلية مهزوزة.
خاتمة: على تخوم التغيير
الإقليم اليوم يقف على تخوم لحظة تاريخية.
إما أن تستمر دبلوماسية تحالف الأنظمة،
أو أن تتشكل تدريجيًا دبلوماسية تعكس إرادة الشعوب.
الاستقرار الذي يُبنى فوق الخوف هشّ،
والتحالف الذي يتجاهل العدالة مؤقت،
والسياسة التي تُقصي الناس تُنتج في النهاية انفجارًا أكبر.
السؤال ليس: هل تتغير المعادلة؟
بل: متى تفرض الشعوب نفسها طرفًا لا يمكن تجاوزه في رسم سياسات الإقليم؟
ذلك هو جوهر المرحلة…
وذلك هو المعنى الحقيقي للوقوف على تخوم التغيير.



إرسال التعليق