مجدي محمد : الكتاب الأول للثورة المسلحة في دارفور جذور الأزمة والهندسة الاجتماعية(2) - صوت الوحدة

مجدي محمد : الكتاب الأول للثورة المسلحة في دارفور جذور الأزمة والهندسة الاجتماعية(2)

نخب الزغاوة.. من الهامش التجاري إلى “المقاول العسكري”
كيف تم اختطاف القبيلة؟

في علم الاجتماع السياسي، الحجم الديمغرافي ليس هو المعيار الوحيد للقوة. هناك مجموعات صغيرة الحجم لكنها “عالية التنظيم” و”عابرة للحدود”، مما يمنحها نفوذاً يفوق ثقلها السكاني بمراحل. الزغاوة (أو “البِري” كما يسمون أنفسهم) هم النموذج الأكمل لهذه الحالة في الساحل الأفريقي.

لفهم صعود قادة مثل مني أركو مناوي أو جبريل إبراهيم، يجب ألا ننظر إليهم كأفراد طموحين فقط، بل كمنتجات لـ “بنية اجتماعية – اقتصادية” فريدة، حولت الزغاوة من رعاة وتجار في الصحراء القاسية إلى “إسبرطه” عسكرية حديثة في دارفور. هذا المقال يفكك “الميزة الاستراتيجية” للزغاوة، وكيف مهدت الطريق لاحقاً لاحتكارهم العمل المسلح.

إذا كان المقال الأول قد كشف كيف حطمت استخبارات المركز “دارفور القديمة” عبر ضرب الإدارة الأهلية، فإن هذا المقال يفتح الملف الأكثر تعقيداً: كيف تحولت قبيلة “الزغاوة” من ضحية للتهميش والجفاف، إلى “وقود” لمشاريع قادة انتهازيين، باعوا دماء أبنائها في سوق النخاسة السياسية بالخرطوم؟ وكيف تحولت واحدة من أكثر الثورات عدالة في السودان إلى شبكة صفقات، وسلاح بلا مشروع، ونخب حرب تعيش على استمرار المأساة؟

لم تكن دارفور تبحث عن حرب. كانت تبحث عن دولة.

لكن الدولة لم تأتِ، فجاء السلاح، ثم جاء ما هو أسوأ: السلاح بلا رؤية.

لفهم ظاهرة “مناوي” و”جبريل”، لا يكفي شتمهم، بل يجب تفكيك “المنصة” التي صعدوا عليها. هذه المنصة هي الميزات الجيوسياسية لقبيلة الزغاوة، التي تم استغلالها ببراعة خبيثة لتحويل القبيلة إلى “ترسانة عسكرية” بدلاً من دمجها في مشروع وطني.

1/ الجغرافيا العابرة للحدود: نعمة تحولت إلى “فخ استخباراتي”

“البري” ليسوا مجرد قبيلة، بل هم أمة عابرة للحدود (Trans-border Nation). يمتد نفوذهم الاجتماعي كشبكة عنكبوتية معقدة بين السودان (شمال دارفور)، وتشاد (حيث يمسكون بمفاصل الحكم والجيش)، وليبيا (الجنوب). هذه الطبيعة جعلتهم هدفاً مفضلاً لأجهزة المخابرات الإقليمية (القذافي، ديبي، والخرطوم). الفخ؟ أدرك قادة مثل مناوي وجبريل مبكراً أن هذه الامتدادات تمنحهم “عمقاً استراتيجياً” لا يملكه الفور أو المساليت. يمكنهم التجنيد من تشاد، والتسليح من ليبيا، والقتال في السودان. حين يضيق الخناق عليهم في السودان، ينسحبون إلى تشاد ليس كلاجئين، بل كأبناء عمومة في ضيافة السلطة. حين يحتاجون للسلاح، تتدفق الإمدادات من ليبيا عبر شبكات القرابة. النتيجة؟ لم تعد القضية “حقوق مواطنة سودانية”، بل تحولت إلى لعبة “شطرنج إقليمية”. سرعان ما أصبح مناوي “وكيل خدمات” عابراً للحدود، يقاتل لمن يدفع، ويحتمي بحدود لا يعترف بها إلا عند الهروب.

2/ اقتصاد الحركة: من “الجمال” إلى “التويوتا”

تاريخياً، الزغاوة تجار بالفطرة، سادة “درب الأربعين”. لكن في ظل انهيار الدولة وصعود ظاهرة النهب، حدث تحول خطير في بنية “رأس المال الزغاوي” تحولت العربات التجارية (اللواري واللاندكروزر) التي كانت تنقل البضائع، إلى آلات حرب متحركة (تاتشرات). هنا لعب “الفلنقاي” دوره القذر؛ حيث قام القادة الانتهازيون بـ “تأميم” القدرات التجارية للقبيلة. أقنعوا التاجر بأن السلاح هو الضمان الوحيد لتجارته، وأقنعوا الراعي بأن البندقية هي الضمان لمرعاه. هكذا تم توريط القبيلة بأكملها في “اقتصاد الحرب”. أصبح السلاح هو السلعة، والقتال هو الوظيفة، ومن يملك مفاتيح هذا الاقتصاد هم القادة الذين يفاوضون المركز لاحقاً.

3/ صناعة “البعبع”: كيف خدمت هذه القوة “الاستخبارات السودانية”؟

المفارقة الأكثر قسوة هي أن الاستخبارات العسكرية في الخرطوم (التي هندسها صلاح كوهين وخلفاؤه) لم تكن تخشى تسليح الزغاوة بقدر ما كانت تحتاجه لتبرير مخططاتها. روجت الاستخبارات لسردية “دولة الزغاوة الكبرى” لتخويف القبائل العربية والقبائل الأفريقية الأخرى. كما روجت لسردية “دولة العرب الكبرى” قريش 1و 2، وبظهور الزغاوة كقوة عسكرية منظمة وشرسة، وجد المركز المبرر المثالي لتسليح “جنجويد” موسى هلال بحجة الدفاع عن النفس.

هل كان مناوي وخليل/ جبريل أغبياء لهذه الدرجة؟ أم أنهم قبلوا بلعب دور “البعبع” لأن ذلك يرفع “سعرهم” في سوق التفاوض؟ الوقائع تثبت أنهم استثمروا في مخاوف الآخرين لفرض أنفسهم كـ “أمر واقع”.

الخبرة القتالية كـ “سلعة للتصدير”
قبل الانفجار، كانت هناك “بروفات” دموية لم ينتبه لها الكثيرون، شاركت فيها مجموعات من الزغاوة كـ “بنادق للإيجار” أو كأدوات في صراعات الآخرين:

حروب تشاد؟ المشاركة الكثيفة في الصراعات التشادية (دعم إدريس ديبي في 1990) خلقت جيلاً من المقاتلين المحترفين الذين يعرفون التكتيكات العسكرية النظامية، لكن ولاءهم “للغنيمة والقائد” لا للدولة.

حركة محمد نور سعد 1976 الذي يسميها الجلابة (المرتزقة)، دور العناصر التي تم تدريبها في ليبيا واستخدمت كأدلاء ومقاتلين في محاولة السيطرة على الخرطوم لصالح الترابي والصادق المهدي كان واضحا.

عندما رفع مناوي وخليل إبراهيم شعار التمرد، لم يكونوا يؤسسون “حركة ثورية” من الصفر، بل كانوا يعيدون توجيه “قوة عمل عسكرية” مدربة وجاهزة، كانت تعمل سابقاً لصالح أنظمة أخرى، لتعمل الآن لصالح طموحاتهم الشخصية تحت غطاء “التهميش”.

4/ من “الكتاب الأسود” إلى “الانشقاق الأسود”

في عام 2000، ظهر “الكتاب الأسود” ليوثق بالأرقام التهميش المريع و ظلم المركز. كان وثيقة حق أريد بها باطل لاحقاً. فقد استخدمه خليل إبراهيم (الذي أسس حركة العدل والمساواة 2001) كمنصة لبناء حركة ذات هيكل “قبلي صارم” تحت غطاء ديني/قومي. ورغم محاولات التجميل، ظلت الحركة تعتمد بنسبة 99% على الزغاوة (فرع الكوبي)، مما جعلها عاجزة عن علاج نفسها من أمراض “دولة 56”.
وفي المقابل، تأسست “حركة تحرير السودان” (2003) بتحالف هش بين عبد الواحد (فور) ومناوي (زغاوة). لكن سرعان ما دبت الخلافات، ليس لأسباب فكرية، بل لأسباب “انتهازية وميدانية”. تعود جذور الخلاف إلى الخسائر الفادحة التي تكبدها الفور بسبب تكتيكات مناوي (الكر والفر) التي كانت تعرض القرى للحرق بينما تنسحب قواته، معللاً ذلك بمنطق كارثي: “كلما سقط مواطنون أكثر، كبرت القضية وسمع العالم”.

5/ مؤتمر حسكنيتة (2005): بصمات الاستخبارات

وصلت الانتهازية ذروتها في مؤتمر حسكنيتة (أكتوبر 2005). هذا المؤتمر لم يكن مجرد خلاف سياسي، بل كان عملية استخباراتية مدبرة لشق الصف. وتشير المعلومات إلى دور خفي لضابط الاستخبارات آنذاك (عبد الوهاب البرهان) في تقديم الدعم المالي واللوجستي لجناح مناوي، بهدف إقصاء عبد الواحد وتقسيم الحركة على أساس إثني. نجحت الخطة، وكان انشقاق حسكنيتة هو الخطوة الأولى نحو “اتفاق أبوجا” . (2006) ذلك الاتفاق الذي فتح رسمياً “سوق بيع الضمير”. قبض مناوي الثمن (منصب كبير مساعدي الرئيس + أموال طائلة 300 مليون دولار)، وانخرطت قواته في ارتكاب فظائع في “كورما” و”طويلة” ضد رفاق الأمس، مستهدفاً حاضنة عبد الواحد الاجتماعية.

اختطاف القبيلة والجين التاريخي

الزغاوة كبشر ومواطنين هم ضحايا مزدوجون: ضحايا للمركز الذي أبادهم، وضحايا لـ “فلنقايات” (مناوي، جبريل، وآخرون) صادروا صوت القبيلة وحولوا شبابها لوقود مشاريعهم الخاصة.

لقد مهد هذا “الاختطاف” الطريق لأسوأ أنواع الانتهازية السياسية. ولكن، لكي نفهم جذر هذه “القابلية للتعاون مع العدو”، يجب أن نعود للتاريخ مرة أخرى. هل كانت صفقة “أبوجا” هي الأولى؟

إرسال التعليق

لقد فاتك