إسماعيل هجانة : ما وراء البندقية R56: التحالف العضوي بين “النظام التركي” وتنظيم الإخوان.. قراءة في هندسة الإبادة في السودان
لا يمكن قراءة صورة الجنرال عبد الفتاح البرهان وهو يتباهى بحمل بندقية المشاة التركية R56، التي روجت لها وكالة الدفاع التركية وشركة System Defence بكثير من الاحتفالية، كخيار تسليحي عابر؛ بل هي “وثيقة إدانة” دامغة وإعلان صريح عن بلوغ التحالف بين بورتسودان وأنقرة مرحلة “الشراكة الكاملة” في الدم السوداني. إن هذه اللقطة ليست مجرد تعاون دفاعي، بل هي تتويج لمسار طويل بدأ قبل رصاصة 15 أبريل 2023 الأولى.
أولاً: الحاضنة التركية.. منصة “ساعة الصفر” والدعم اللوجستي
لقد مثلت الأراضي التركية، منذ ما قبل الحرب، الملاذ الآمن والمقر العملياتي لقيادات “نظام الإخوان المسلمين” الهاربين من السودان. هناك، تم نسج خيوط المؤامرة، حيث تحولت أنقرة إلى مركز لإدارة الدعم المالي واللوجستي والأمني. هذا الفريق، الذي يعمل كحلقة وصل مع “التنظيم العالمي للإخوان”، هو من حدد “ساعة الصفر” للحرب، مستنداً إلى غطاء سياسي وعسكري تركي وفر تدفقاً لا محدوداً للعتاد.
ثانياً: “بيرقدار” وفلسفة الأرض المحروقة
تجلت هذه الشراكة الإجرامية في تحويل أجساد السودانيين في كردفان ودارفور إلى “حقل تجارب” للآلة العسكرية التركية. إن تدفق المسيرات الاستراتيجية والانتحارية، وعلى رأسها “بيرقدار” بأنواعها المختلفة، لم يكن لغرض عسكري مشروع، بل استُخدم كأداة رئيسية لتنفيذ “التطهير العرقي” و”الإبادة الجماعية”.
لقد وثقت الوقائع الميدانية استهدافاً ممنهجاً للمدنيين، شمل:
المرافق الحيوية: قصف المدارس، المستشفيات، والمراكز الصحية والأسواق.
المجتمعات النائية: ملاحقة القرى والفرقان ومعسكرات النازحين التي لا تشكل أي ثقل عسكري، مما يكشف عن رغبة في التهجير القسري وكسر الإرادة الشعبية.
ثالثاً: سجل الجرائم الموثقة (2025 – 2026)
إن التباهي التركي بالتعاون العسكري يأتي على أنقاض أشلاء الضحايا في مناطق النزاع، حيث رصدت التقارير سلسلة من الهجمات الوحشية:
محرقة الكريسماس: استهداف منطقة “بيام جلدا” في 26 نوفمبر 2025 أثناء الاحتفالات.
تدمير القطاع الصحي: القصف الكلي لمستشفى “الزرق” في 3 يناير 2026، مما أخرجه عن الخدمة تماماً.
حرب التجويع: لم تكتفِ المسيرات بالقتل المباشر، بل استهدفت شريان الحياة عبر ضرب قوافل الإغاثة التابعة لبرنامج الأغذية العالمي في “زالنجي” (13 نوفمبر 2025)، “جبرة الشيخ” (6 ديسمبر 2025)، ومعبر “أدري” الحدودي، وصولاً إلى استهداف مباني البرنامج في 11 فبراير 2026.
رابعاً: الامتداد الاستعماري والغطاء الأيديولوجي
إن الدور الذي تلعبه تركيا اليوم، بمشاركة إيران ومصر، ليس سوى استعادة لأطماع تاريخية “إمبريالية” وجدت في تنظيم الإخوان المسلمين في السودان “حصان طروادة” للعودة إلى المنطقة. إن هذه الشركات التركية التي تتباهى بتوريد السلاح لقتل الشعب السوداني، هي شريك أصيل في المسؤولية الجنائية والأخلاقية عن الجرائم المرتكبة.
خامساً: المسؤولية الجنائية الدولية.. تواطؤ الشركات في جرائم الحرب
إن التباهي التركي الرسمي والتحاري بتوريد السلاح (المسيرات وبنادق R56) يتجاوز سياق “الصفقات التجارية” ليدخل في دائرة “المشاركة الجنائية في جرائم الحرب”. فوفقاً لـ “مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان”، تقع على الشركات مسؤولية قانونية لمنع المساهمة في انتهاكات حقوق الإنسان في مناطق النزاع.
إن استمرار تدفق هذا العتاد، رغم التقارير الموثقة عن استخدامه في قصف مستشفيات (كالزرق) وقوافل إغاثية (كجبرة الشيخ وزالنجي)، يجعل من هذه الشركات ومن خلفها النظام التركي شركاء مباشرين في:
جريمة الإبادة الجماعية: عبر توفير أدوات القتل النوعية التي تستهدف جماعات عرقية محددة.
جرائم ضد الإنسانية: من خلال الحصار التجويعي واستهداف الأعيان المدنية المحمية بموجب اتفاقيات جنيف.
هذا الدليل القطعي الذي قدمه البرهان والشركات التركية بصورتهم الاحتفالية، يسقط أي ادعاء بالحياد، ويضع هذه الأطراف تحت طائلة المحاسبة الدولية، حيث لا تسقط هذه الجرائم بالتقادم، ولا يعفي “الغطاء التجاري” من المسؤولية عن “فعل الإبادة”.
إن ظهور البرهان بـالسلاح التركي R56 هو الدليل القطعي الذي لا يقبل الجدل على انخراط التنظيم العالمي للإخوان ودول إقليمية في “إبادة” الشعب السوداني. إن هذه الحرب تعتبر محاولة جادة لاقتلاع مجتمعات بأكملها باستخدام أحدث التقنيات العسكرية التركية. إن هذه الجرائم تستوجب المحاسبة الدولية والمواجهة الصارمة، فالتاريخ لن يغفر لمن جعل من دماء السودانيين مادة للدعاية التجارية أو التمدد السياسي.
الحكاية الأعمق من حرب..



إرسال التعليق