بولس كون : الرموز المصنوعة وسلطة المركز: تفكيك الذاكرة السودانية على ضوء جدلية المركز والهامش عند أبكر آدم إسماعيل
مقدمة: التاريخ ليس بريئاً في السودان
في السودان لا تُدار السلطة عبر البندقية وحدها، بل تُدار كذلك عبر الذاكرة. فالمركز لم يكتفِ تاريخياً باحتكار الثروة والقرار، بل احتكر أيضاً الحق في تعريف الوطن، وفي توزيع البطولة، وفي صناعة الرموز. ومن هنا يصبح التاريخ نفسه جزءاً من الصراع، لا مرآة له. إن أخطر أشكال الهيمنة ليست القهر المباشر، بل الهيمنة التي تتخفى في المناهج والقصائد والأغاني والاحتفالات الرسمية، حيث تتحول الأسطورة إلى حقيقة، ويُقدَّم المزيف بوصفه وطنياً، بينما تُدفن بطولات الهامش الحقيقي في صمت متعمد.
في هذا السياق تبرز أطروحة أبكر آدم إسماعيل في كتابه جدلية المركز والهامش: قراءة جديدة في دفاتر الصراع في السودان باعتبارها مفتاحاً تفسيرياً لفهم بنية الأزمة السودانية. فالمركز ليس مدينة، بل بنية استعلاء تاريخي. والهامش ليس مجرد أطراف بعيدة، بل كتلة بشرية وثقافية جرى إخضاعها عبر السياسة والاقتصاد والرمز. لذلك فإن معركة السودان ليست فقط معركة سلطة، بل معركة سردية: من يكتب التاريخ؟ ومن يملك حق أن يكون بطلاً؟
أولاً: جدلية المركز والهامش – الهيمنة بوصفها احتكاراً للمعنى
يطرح أبكر آدم إسماعيل أن المركز في السودان لم يتشكل بوصفه فضاءً إدارياً فقط، بل بوصفه نظاماً ثقافياً-سياسياً يفرض تعريفاً واحداً للوطن، ويصنع نموذجاً معيارياً للمواطنة والهوية. وهذا النموذج لم يكن شاملاً ولا عادلاً، بل تأسس على الامتياز، حيث تمت إعادة بناء الدولة السودانية الحديثة وفق منطق الاستعلاء والفرز، لا وفق منطق العقد الاجتماعي.
من هنا فإن الصراع بين المركز والهامش ليس صراعاً على الخدمات أو التنمية وحدها، بل هو صراع على الشرعية الرمزية: من يمثل السودان؟ ومن يتحدث باسمه؟ ومن يُسمح له أن يدخل إلى “مسرح الوطن الجميل” كما تصوره سرديات المركز؟
إن أخطر ما في المركز أنه لا يكتفي بإقصاء الهامش، بل يعيد تعريفه بوصفه هامشاً. أي أنه يمارس السلطة على الجغرافيا والإنسان وعلى اللغة والذاكرة في وقت واحد.
ثانياً: صناعة الرموز الوطنية… البطولة كامتياز مركزي
إذا كان المركز يحتكر السياسة، فإنه يحتكر كذلك البطولة. فالرموز الوطنية التي يتم إنتاجها في الوعي السوداني ليست بريئة، بل غالباً ما تخضع لعملية انتقاء واعية أو غير واعية تخدم سردية الدولة القديمة. فالتاريخ الرسمي لا يسجل الوقائع بقدر ما يصمم معنى الوقائع ويوزع المجد بطريقة تجعل المركز يبدو هو الوطن كله وتجعل الهامش يبدو كأنه خارج الوطن أو مجرد تابع له.
وهكذا تتحول البطولة إلى مؤسسة: يتم تقديم بعض الشخصيات بوصفها أيقونات وطنية دون مساءلة، بينما يتم طمس أدوار أخرى لأنها لا تنتمي إلى صورة المركز عن نفسه. وتصبح الوطنية ليست علاقة بالمواطنة أو التضحية، بل علاقة بالموقع داخل نظام الامتياز.
ثالثاً: التاريخ بوصفه فضيحة في النص الشعري لأبكر
يكتب أبكر آدم إسماعيل ما يمكن اعتباره إعلاناً ضد التاريخ الرسمي، قصيدة عنوانها صوت الوتر السادس في قيثارة الوطن المشوه التاريخ حيث يفكك فكرة التاريخ المقدس ويضعها داخل سياق التزييف السياسي يقول أبكر حرفياً
…………الفصل الاول ………. الدرس الأول…… التاريخ …….
المهدي نخاس شهير ، وعبداللطيف لم يكن في مسرح الوطن الجميل بل كان منهمك يخطط لإنقلاب عسكري كي يعيد الى امية اصلها القرشي والنسب النبيل عبدالفضيل كان لصا ونشالا موغلا في الاحتراف . الخليل كان يسكن فيلا ويبيع اغنية تزيف طعم البلاد ويقاسم السلطان قعدته الخليعة واحتمال ان يكون مجند في الأمن احتمال . ومهيرة بت عبود بائعة المريسة اول سلطة للغيب تمتهن الغناء المستغيث وتمارس التعريص في الليل البهيم ونكون اولاد الحرام فطوبى لنا والله في هذه المدينة ضابط في الجيش وبطانة الشعراء من جنس الطحالب والكلاب لا تثق بالجامعة ولا اللافتات اللامعة ولا الوزن والشعر المقفى ولا الصدور القانعة ارفق بنفسك من غباء اليافعين ومن تفاصيل التحدرج للوراء إن الوراء مقسم بين القيامة والعدم بين الترقب والذهول .
هذا النص لا يمكن فهمه باعتباره شتيمة أو انفعالاً شعرياً فقط، بل يجب قراءته بوصفه موقفاً معرفياً راديكالياً: أبكر يهدم الأسطورة لكي يكشف البنية التي صنعتها. إنه لا يهاجم شخصيات بعينها بقدر ما يهاجم آلية صناعة القداسة ويهاجم التاريخ حين يتحول إلى مؤسسة سياسية تبرر الاستعلاء.
رابعاً: لا تثق بالجامعة… تفكيك المؤسسة بوصفها جهازاً للمركز
حين يقول أبكر: لا تثق بالجامعة ولا اللافتات اللامعة فهو لا يدعو إلى الجهل، بل يدعو إلى الشك النقدي. فالجامعة في السياق السوداني ليست دائماً مؤسسة لتحرير العقل، بل كثيراً ما تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج خطاب الدولة القديمة، حيث تُقدَّم الرموز بوصفها حقائق مطلقة، وتُمنع مساءلتها بوصف ذلك تجاوزاً على الوطنية .
وهنا تتجلى جدلية المركز والهامش في بعدها الأخطر: المركز يسيطر على المعرفة، فيحول التعليم إلى أداة تطبيع، ويحّول الشعر إلى أداة تمجيد، ويحّول الأغنية إلى غطاء لخراب الواقع.
ولهذا فإن نقد أبكر لا يتوجه نحو الأشخاص فقط، بل نحو “بطانة الشعراء” التي تمنح الاستبداد جمالياته، وتجعل التزييف مقبولاً في الوعي الشعبي.
خامساً: مهيرة بت عبود… سؤال الذاكرة أم سؤال الحقيقة؟
إدراج مهيرة بت عبود في هذا النص يمثل صدمة متعمدة، لكنه يفتح سؤالاً جوهرياً في سياق المركز والهامش: كيف يتم اختيار الرموز النسوية في الذاكرة السودانية؟ وكيف يتم توظيف المرأة داخل السردية الرسمية؟
إن المركز غالباً ما يختار رموزاً نسوية مناسبة لصورته عن الوطن: رموز لا تهدد بنيته، ولا تفضح امتيازاته، ويمكن دمجها في خطاب تمجيدي عام. بينما تُقصى نساء أخريات من الهامش، أو تُطمس بطولاتهن، لأن الاعتراف بهن يفرض إعادة توزيع المجد خارج نطاق المركز.
وبهذا المعنى، فإن معركة الرموز ليست معركة تاريخية فقط، بل معركة سياسية على الاعتراف.
سادساً: السودان يتحدر إلى الوراء لأن الوعي يتحدر إلى الوراء
يختم أبكر نصه بمقولة تلخص مأساة السودان
“إن الوراء مقسم بين القيامة والعدم بين الترقب والذهول والليل اوغل حين طال لكي يطول …
وهذه العبارة لا تصف فقط الحالة النفسية، بل تصف المسار السياسي: وطن يعيش في انتظار القيامة أو العدم، لأنه لم يواجه جذور مشكلته، ولم يعترف بأن الأزمة السودانية ليست أزمة حكومة، بل أزمة دولة تأسست على الاستعلاء، وشرعنت نفسها بالتزييف الرمزي.
فالحرب الراهنة ليست انقطاعاً عن الماضي، بل هي امتداد مباشر لتاريخ طويل من احتكار المركز للسلطة والذاكرة. ولهذا فإن السودان لن يستعيد توازنه بمجرد اتفاق سياسي، ما لم يعالج المسألة الأعمق: إعادة تأسيس الدولة على الاعتراف الكامل بالهامش، وبالتاريخ الحقيقي، وبالمواطنة المتساوية.
خاتمة: تفكيك الرموز المصنوعة شرط لبناء السودان الجديد
إن جدلية المركز والهامش عند أبكر آدم إسماعيل ليست مجرد تحليل للصراع، بل مشروع لتحرير العقل السوداني من سطوة السردية الرسمية. فالمركز لا يسقط حين تنهزم قواته فقط، بل يسقط حين يفقد قدرته على صناعة الرموز، وعلى احتكار البطولة، وعلى تحويل الأسطورة إلى وطن.
لذلك فإن تفكيك الرموز المصنوعة ليس فعلاً تخريبياً، بل هو ضرورة تأسيسية لبناء السودان الجديد. السودان الذي لا يوزع المجد وفق معيار الاستعلاء، ولا يكتب تاريخه بيد نخبة واحدة، ولا يجعل من الذاكرة مؤسسة قمع.
السودان يحتاج إلى إعادة كتابة تاريخه بوصفه ذاكرة مشتركة، لا ذاكرة المركز وحده.
ويحتاج إلى الاعتراف بأن العدالة ليست خبزاً فقط، بل اعتراف أيضاً.
فالوطن الذي يكذب على نفسه في التاريخ، لن يستطيع أن يصدق في المستقبل.



إرسال التعليق