مليح يعقوب : دور الثقافة والفنون في بناء الدولة والمجتمع
لقد تطرّقنا في السابق إلى الآثار السالبة التي خلّفتها الحرب على قطاعات الثقافة والفنون والفكر والإبداع في السودان، وذلك عبر مقالنا المعنون بـ: (خطورة الحرب على الفنون في السودان). حيث أشرنا فيه إلى أن المبدعين في بلادي هم من أكبر ضحايا الصراع المسلّح الدائر، الذي تسبّب في انعدام مقومات الإبداع وانهيار مؤسسات الدولة والمجتمع الفنيّة والأدبيّة والثقافيّة (الخاصة والعامة)، بما فيها دور العرض والمسارح والصالات والمنتديات. فقد فقدَ المبدعون أماكن تجمعاتهم، وسيطر عليهم اليأس والإحباط بسبب توقف الفعاليات وضيق فرص العمل وانعدام التمويل، وصعوبة سبل العيش.
وعلى الرغم من ذلك، نجحت أعداد مقدرة منهم في تعريف العالم بالقضيّة السودانيّة، بينما آثر بعضهم الصمت خوفاً من ملاحقات واجهات الدولة الأمنية والعسكرية، وظلّت أغلبية الناس تنظر إلى الفنون كوسيلة لتخفيف الضغوط النفسيّة وتقليص آثار الحرب، بل ويراهنون عليها كأداة للتعبير عن آلامهم، ووسيلة لبلوغ طموحاتهم، وملاذاً آمناً لإيقاف الحرب وإحلال السلام الدائم.
إن الثقافة والفنون تلعب دوراً بارزاً في بناء الدولة والمجتمع؛ عبر رفع الوعي وتحسين السلوك وتغيير اتجاهات الجمهور وبناء الرأي العام، فضلاً عن تعزيز الوعي بالقضايا الوطنيّة والاجتماعيّة. وتعتبر الفنون مورداً اقتصادياً هاماً يرفد خزائن الدول، ولاعباً جوهرياً في ترسيخ التعايش وتشبيك الشعوب والقوميات. فالموسيقى والمسرح هما لغة الشعوب، وكما يقول المثل: “أعطني مسرحاً.. أعطيك شعباً”. إن الفنون هي الأداة الأقوى لتوحيد الوجدان وربط المكونات السودانية ببعضها البعض، وهي القاسم المشترك الذي يقلص مساحات الانقسام الاجتماعي والسياسي.
إن الرسائل الفنيّة بطبعها ساحرة وجاذبة وسريعة الانتشار، تدخل القلوب دون استئذان. والمشاريع السياسيّة والتنمويّة الملامسة لوجدان الأمة يسهل ترجمتها في شكل أشعار وأغانٍ ومسرحيات ولوحات، فتصل للناس بصورة أوسع مما تدور في الغرف المغلقة والقاعات.
لقد ساهمت الحرب، بصورة أو بأخرى، في تغيير نظرة المبدعين للدولة؛ حيث أصبحوا ينظرون إليها كمركز للظلم والصراع لا كمسرح للجمال والإبداع. وبناءً عليه، فإن استمرار الحرب قد يُحدث تغييراً جذرياً في طبيعة الرسائل الفنية المستقبلية. كما تعتبر هذه الحرب فرصة لكل مبدع سوداني للمراجعة والمحاسبة الذاتية: ماذا قدّم لجمهوره؟ وماذا سيقدم مستقبلاً؟ فالفنون هي التي ترسم قوالب الدستور وتغيّر شكل الدولة لتعبر مؤسساتها عن ثقافة الشعب الحقيقية.
ثمة نقطة جوهرية تجدر الإشارة إليها، وهي أن الحرب تسببت في ظهور أنماط فنية جديدة كانت مغيبة إعلامياً منذ فجر الاستقلال؛ برزت عبر “الميديا” لتعبر عن سخطها من سياسات المركز التي انحازت لثقافات معيّنة وأهملت الأخرى، وفشلت في إحداث التوازن بين الوحدة والتنوع. ومن ناحية أخرى، فإن المبدعين الذين يطالبون باستمرار الحرب هم إما مغيبون عن الوعي، أو مستفيدون مالياً، أو تحولوا إلى “تجار حرب” وطلاب سلطة.
إن استئناف النشاط الفني في ظل هذه الكارثة مسألة معقدة للغاية، وتشكل تحدياً كبيراً يتطلب البحث عن مصادر تمويل بديلة وعدم المراهنة على الحكومة. فالدولة السودانية في حالات السلم لم تدعم المبدعين، فكيف تفعل في وقت الحرب؟ حيث تُوجه الميزانيات للآلة العسكرية، ويُنظر للفن كـ “موضوع انصرافي”. نلاحظ مثلاً أن حكومة بورتسودان تهتم فقط بالفنون التي تلبي طموحاتها العسكرية، مع العلم أن الثقافة هي آخر أولويات “دولة 56” منذ الاستقلال، بدليل أن ميزانية وزارة الثقافة هي الأضعف دائماً.
لذا، لا خيار أمام المبدعين سوى إنشاء منصات إلكترونية موازية ومواكبة، قادرة على جذب الرعايات والمنظمات الدولية، فالمبدع الحقيقي يمكنه أن يتحول إلى مؤسسة مستقلة تصنع جمهورها، والفنان الحق هو من يكتسب شهرته من “خشبة الجمهور” لا من “مسارح السلطة”.
ولخلق بيئة مناسبة، يجب على المبدعين استنهاض الجهد الشعبي لتشغيل الأندية والمسارح، والاستعانة بالمحيط الإقليمي والمنظمات الدولية. ولن يتحقق ذلك إلا بالانتظام في نقابات وأجسام مهنية قوية قادرة على رفع صوتها. كما أقترح عليهم اتباع خطوات عملية: (التواصل لبناء شبكات اتصال، تحديد الأهداف المشتركة، البناء التنظيمي، تحديد الجهات الداعمة، ثم مرحلة الدعم المتبادل بين الفنانين).
ختاماً، لقد تبدلت أحوال المدن؛ فبعد أن كانت مراكز للاستنارة، عادت للاستعانة بالأنماط التقليدية البسيطة (كحفلات المسجلات وMP3) لعدم القدرة المادية، ولكن يبقى الفن هو الماعون الوحيد الذي يجمع السودانيين. وكما أشار الفنان أبو عركي البخيت: “مشكلة السودانيين مع الغناء هي الإصغاء”. فلو أصغى القادة لرسائل الفن لما وصلنا لهذا المنحدر. الفنون هي القادرة على تعزيز الحوار وبناء الثقة، وجمع المواطنين حول منصات مشتركة لبناء الوحدة والسلام.



إرسال التعليق