آدم الحاج : حين تتحول الفتوى إلى أداة قمع فقه السلطان بين تزييف الوعي وإجهاض التغيير - صوت الوحدة

آدم الحاج : حين تتحول الفتوى إلى أداة قمع فقه السلطان بين تزييف الوعي وإجهاض التغيير


مقدمة:
لم تكن الفتوى، في أصلها، أداة للسيطرة أو وسيلة لإخضاع المجتمعات، بل كانت جهدًا علميًا وأخلاقيًا يهدف إلى تنزيل القيم الدينية على واقع الناس بما يحقق العدل ويدفع الظلم. غير أنّ تاريخ العلاقة بين السلطة والفقه كشف كيف يمكن للفتوى أن تنحرف عن مقاصدها، لتتحول من اجتهادٍ يحرّر العقول، إلى سلاحٍ يُشهر في وجه كل محاولة للتغيير أو مساءلة الحكم.
في هذا المقال، نناقش كيف استُخدمت الفتوى كأداة قمع سياسي، وما الذي ترتب على ذلك من تشويه للدين وإجهاض لمسارات الإصلاح.
أولًا: الفتوى بين الاجتهاد الحر والوظيفة السياسية
الفتوى في جوهرها عمل علمي مستقل، يقوم على:
فهم النص في سياقه الكلي.
إدراك الواقع وتعقيداته.
مراعاة مقاصد الشريعة في العدل والرحمة ورفع الحرج.
لكن حين تُربط الفتوى بمراكز النفوذ، تتحول من اجتهاد أخلاقي إلى وظيفة سياسية، تُنتج الأحكام المطلوبة سلفًا لخدمة السلطة، لا لخدمة الحقيقة أو مصلحة المجتمع.
ثانيًا: فقه السلطان… المفهوم والخلفية
فقه السلطان ليس مدرسة علمية متماسكة، بل هو منظومة تبريرية نشأت في ظل الخوف من السلطة أو الطمع في رضاها.
أبرز ملامحه:
تقديم الاستقرار الشكلي على العدالة الحقيقية.
تغليب مصلحة الحاكم على حقوق المجتمع.
استخدام نصوص جزئية لعزلها عن سياقها المقاصدي.
وبهذا، لا يعود الفقيه شاهدًا على العدل، بل شريكًا – بصمت أو بوضوح – في تكريس الظلم.
ثالثًا: أدوات الفتوى القمعية
تعتمد الفتوى المسيسة على مجموعة من الأدوات المتكررة، من أبرزها:
تجريم الاحتجاج السلمي بوصفه فتنة.
تحريم الثورة على الظلم بحجة درء المفاسد.
شرعنة القمع باسم حفظ الأمن أو وحدة الدولة.
هذه الأدوات لا تُستخدم دفاعًا عن الدين، بل دفاعًا عن السلطة، مع إضفاء قداسة زائفة على قرارات سياسية بشرية قابلة للنقد والخطأ.
رابعًا: أثر الفتوى المسيسة على الوعي الجمعي
النتائج المترتبة على هذا المسار عميقة وخطيرة، منها:
تعطيل حسّ المساءلة والمطالبة بالحقوق.
نشر ثقافة الخضوع واليأس السياسي.
تشويه صورة الدين لدى الأجيال الشابة.
ومع الوقت، تتحول الفتوى من مرجع أخلاقي، إلى خطاب منفصل عن الواقع، فاقد للمصداقية، لا يلهم التغيير ولا يحمي الاستقرار الحقيقي.
خامسًا: استعادة الفتوى لدورها الإصلاحي
تحرير الفتوى من أسر السلطة يتطلب:
إعادة الاعتبار لفقه المقاصد لا فقه الأعذار.
ضمان استقلال المؤسسات الدينية عن القرار السياسي.
تشجيع التعددية الفقهية والنقاش العلمي المفتوح.
ربط الفتوى بقضايا الناس الحقيقية لا بمخاوف الحكّام.
فالفتوى الحرة لا تهدد المجتمع، بل تحميه من الانفجار، لأنها تعالج الظلم بدل تبريره.
خاتمة
حين تتحول الفتوى إلى أداة قمع، يفقد الدين أحد أعمدته الأخلاقية، ويتحول الفقه من علمٍ حيّ إلى خطاب جامد يخدم القوة لا القيم.
إن معركة تحرير الوعي لا تكتمل دون تحرير الفتوى، وإعادتها إلى موقعها الطبيعي: صوتًا للعدل، وضميرًا للمجتمع، لا ختمًا شرعيًا على استبداد السلطة.

إرسال التعليق

لقد فاتك