مجدي محمد : رأس المال الأخلاقي: سلاح التغيير الحقيقي في السودان - صوت الوحدة

مجدي محمد : رأس المال الأخلاقي: سلاح التغيير الحقيقي في السودان

كيف يمكن لتحالف تأسيس أن يحوّل الثقة الشعبية إلى مشروع تحول مؤسسي؟

في السياسة السودانية، حيث الخيانة قاعدة والوفاء استثناء، يبرز تحالف تأسيس بأصل نادر: رأس مال أخلاقي بناه قادته عبر مواقف لا تُنسى. لكن السؤال الحقيقي ليس عن وجود هذا الرأسمال، بل عن كيفية استثماره لتحقيق التغيير الجذري الذي ينشده ملايين السودانيين.

المفارقة السودانية: ثقة وسط الأنقاض

يعيش السودان مفارقة سياسية غريبة: شعب مُنهك من عقود الخيانات والانقلابات، ونخب سياسية مصابة بأمراض “دولة 56” المزمنة – المحسوبية والقبلية والشللية والفساد – ومع ذلك، يضع هذا الشعب ثقته في تحالف يضم قادة من قلب المنظومة القديمة نفسها.

ليست هذه الثقة ساذجة ولا عمياء. إنها حصيلة مواقف استثنائية سطّرها قائدا التحالف: محمد حمدان دقلو وعبد العزيز آدم الحلو. الأول خرج من قلب السلطة التي منحته ما لم ينله مهمش قبله، ثم انحاز كلياً للتغيير الجذري رافضاً كل الإغراءات. والثاني رفض لعقود أي تسوية لا تُنهي دولة الامتياز النيلي-الجلابي، وقاوم إغراءات السلطة والمال ورفض الانجرار لمستنقع الانتقام القبلي رغم الجراح العميقة التي تحملها شعبه.

هذه المواقف صنعت شيئاً نادراً في السياسة السودانية: رأس مال أخلاقي يفوق قيمة أي سلاح أو خزينة مال.

ما هو رأس المال الأخلاقي؟

في علم السياسة، رأس المال الأخلاقي هو الثقة العميقة التي يكتسبها القائد عبر الاتساق بين أقواله وأفعاله، والتضحية بالمصالح الشخصية من أجل المبدأ، والصمود أمام الإغراءات. هذا الرأسمال لا يُشترى بالمال ولا يُفرض بالقوة، بل يُكتسب بالمواقف الصعبة في اللحظات الحاسمة.

قيمته الحقيقية تكمن في قدرته على:

تجاوز الانقسامات القبلية والجهوية: عندما يثق الناس في نزاهة القائد، يصبحون أكثر استعداداً للتنازل عن امتيازاتهم القبلية
فرض تغييرات صعبة: الإصلاحات الجذرية تتطلب تضحيات، والناس لا يقبلون بها إلا من قيادة يثقون بنواياها
خلق حركة شعبية: الثورات تنجح عندما يتحول القائد إلى رمز أخلاقي، لا مجرد سياسي
دقلو والحلو وزملائهما يملكان رأس المال الأخلاقي هذا، لكن امتلاكه شيء واستثماره شيء آخر كلياً.

رأس المال الأخلاقي ليس شيكاً على بياض، وهو اليوم يواجه أخطر اختباراته: سلوك البندقية على الأرض. إن الرصيد الذي يبنيه القائد بمواقفه السياسية، قد تستنزفه التفلتات والانتهاكات التي تحدث في الميدان. المواطن الذي يثق في “مشروع” القائد، قد يفقد إيمانه بالكامل إذا انتُهكت كرامته بسلاح جنود هذا القائد. لذا، فإن التحدي الأخلاقي الأول للتحالف ليس فقط في شعاراته، بل في قدرته على “السيطرة الأخلاقية” على قواته، وتحويلها من مجموعات قتالية إلى نواة جيش وطني منضبط يحمي لا يهدد.

المأزق المؤسسي: عندما يكون التحالف أقل من قادته

الحقيقة المُرّة التي يجب الاعتراف بها: تحالف تأسيس، رغم شرعيته الأخلاقية، مازال يحمل في أحشائه أمراض المنظومة القديمة. معظم مكوناته – السياسية والعسكرية والاجتماعية – تعاني من:

الإفتقار للتكوين الديمقراطي والمؤسسية. أحزاب/ حركات الرجل الواحد
المحسوبية المتجذرة: التعيينات تتم بناءً على القرابة لا الكفاءة
الحواكير القبلية: كل حركة أو حزب يعكس بنية قبلية أو جهوية محددة
شللية المصالح: تحالفات داخلية قائمة على المنافع لا المبادئ
غياب الديمقراطية الداخلية: قرارات تُتخذ في الغرف المغلقة، وقواعد التحالف مجرد مُصفّقين
هذه ليست إدانة أخلاقية بقدر ما هي تشخيص موضوعي. فالمكونات نفسها وُلدت ونشأت في بيئة “دولة 56” التي جعلت من القبيلة والشللية آليات للبقاء السياسي. لكن المشكلة الحقيقية: كيف يمكن بناء سودان جديد بأدوات المنظومة القديمة؟

الفجوة الخطيرة: بين الكاريزما والمؤسسة

القائدان يملكان رصيداً أخلاقياً هائلاً، لكن المؤسسة التي يقودانها لا تعكس – حتى الآن – القيم التي جعلتهما موضع ثقة الشعب السوداني. هذه الفجوة خطيرة جدا، لأنها تُهدد بتآكل الثقة الشعبية. الناس تثق في دقلو والحلو، لكنهم يرون فساداً أو محسوبية في المستويات الأدنى. وعندما تتراكم هذه التجارب، تتحول الثقة إلى شك.

ذلك تُعيق التغيير الحقيقي ويزيد مخاطر بإعادة إنتاج الاستبداد

التاريخ مليء بثوار نزيهين بنوا أنظمة استبدادية، لأنهم اعتمدوا على ولائهم الشخصي بدلاً من المؤسسات الديمقراطية.

الضرورة الاستراتيجية: من الثقة الشخصية إلى البناء المؤسسي

هنا يأتي السؤال الجوهري: كيف يستثمر القائدان وزملائهما رأسمالهما الأخلاقي في بناء/ اصلاح مؤسسة تحالف تأسيس نفسها؟ وكيف يحوّلان الثقة الشعبية من رصيد شخصي إلى أساس لتحول مؤسسي شامل؟

الإجابة تتطلب جرأة غير مسبوقة واستعداداً للدخول في صراع مع جزء من قاعدتهما نفسها. لكن هذا الصراع ضروري وحتمي إذا كان الهدف هو التغيير الجذري لا مجرد تبديل النخب.

أولاً: الإصلاح الديمقراطي والهيكلي
المأسسة الفورية: تحويل التحالف إلى مؤسسة بدستور واضح وهياكل منتخبة، ووضع حدود زمنية للمناصب.
لجنة النزاهة المستقلة (الحل الجراحي الذكي): بدلاً من التصفيات السياسية، يجب تشكيل “لجنة انضباط ونزاهة” مكونة من قضاة وقانونيين سودانيين مشهود لهم (حتى لو من خارج التحالف)، تملك صلاحية التحقيق في الفساد والانتهاكات الميدانية وإصدار قرارات ملزمة. هذا يرفع الحرج “القبلي” عن القيادة ويجعل المحاسبة عملاً مؤسسياً لا انتقامياً.
دمج الشرعيات: التأسيس الحقيقي يتطلب دمج “الشرعية العسكرية المنحازة للتغيير” مع “الشرعية المدنية الثورية” (لجان المقاومة، النقابات). هؤلاء يملكون “رأس مال أخلاقي” من نوع آخر (النضال السلمي)، والتحام القوتين هو الضمانة الوحيدة لعدم عسكرة المستقبل.

ثانياً: استثمار الشعبية في فرض التغيير
رأس المال الأخلاقي للقائدين هو الورقة الرابحة، لكنه ليس أبدياً. كل يوم يمر دون تغيير ملموس يُقلل من قيمة هذا الرأسمال. لذا يجب استخدامه بجرأة وذكاء:

1/ استراتيجية “التهديد البنّاء”: القائدان يمكنهما التهديد بالاستقالة إذا لم تلتزم مكونات التحالف بالإصلاحات المطلوبة. هذا ليس ابتزازاً، بل موقف مبدئي يقول: “لن نكون واجهة لمنظومة فاسدة”. هذا التهديد، إذا استُخدم بحكمة، يمكن أن يُجبر المترددين على التغيير.

2/ الخطاب المباشر للجماهير: تجاوز النخب والحديث مباشرة مع الشعب عبر:
جولات ميدانية منتظمة في كل مناطق السودان
استخدام الإعلام الجديد (راديو، موبايل، وسائل التواصل) للوصول للقواعد
طرح القضايا الخلافية علناً وطلب رأي الشعب.

3/ القيادة بالقدوة: أقوى رسالة يمكن أن يرسلها القائدان:
نشر ممتلكاتهم ورواتبهم وقراراتهم المالية علناً
محاسبة أقاربهم وأتباعهم بشكل أشد من الآخرين
فتح نافذة تواصل مباشرة لتلقى الشكاوى والملاحظات من الشعب والنخب
عقد جلسات حوارية مع الشباب والنساء والمهمشين للاستماع للانتقادات

4/ التحالفات الاستراتيجية الجديدة:
منح الشباب والنساء 40% من المناصب القيادية كحد أدنى غير قابل للتفاوض
استقطاب الكفاءات والتكنوقراط بغض النظر عن الانتماء القبلي
بناء شراكات حقيقية مع المجتمع المدني المستقل

ثالثاً: “المؤتمر التأسيسي الثاني” كنقطة تحول
ربما يكون الوقت غير مناسباً الأن بسبب الحرب لخطوة جريئة: الدعوة لمؤتمر تأسيسي ثانٍ يُعيد بناء التحالف على أسس جديدة. ليس مؤتمراً شكلياً للنخب، بل عملية ديمقراطية شاملة تستمر 6 أشهر تضم:

ممثلين منتخبين من قواعد كل مكونات التحالف
ممثلين منتخبين من المجتمعات المحلية في كل أنحاء السودان
المجتمع المدني والمثقفين والخبراء

المخرجات المطلوبة:
ميثاق شرف ملزم يوضح القيم والمعايير التي لا يمكن التنازل عنها
آليات محاسبة قابلة للتطبيق الفوري، وليست مجرد شعارات
خارطة طريق واضحة للتحول من تحالف قيادات إلى حركة شعبية مؤسسية
رؤية اقتصادية – اجتماعية مشتركة تحدد كيف سيُبنى السودان الجديد
لتطوير عمل التحالف وترسيخ مبادي السودان الجديد في الممارسة الديمقراطية في سبيل بناء المؤسسات يجب أن يكون الخطوة الأولى بعد توقف الحرب.

الثمن الذي يجب دفعه: عملية الجراحة السياسية

كل تغيير حقيقي له ثمن. “الجراحة السياسية” ضرورة، وتشمل الإقالة العلنية والمحاسبة القانونية لكل من ثبت فساده أو تورط في انتهاكات، مهما كان موقعه أو قبيلته. هذا قد يُضعف التحالف مؤقتاً، لكن الرسالة ستكون واضحة: دماء الشباب وتضحياتهم هي لبناء دولة القانون، وليست لاستبدال تمكين بتمكين. والمبادئ فوق المصالح، والسودان الجديد أهم من أي شخص.

هذه الجراحة ليست انتقاماً ولا تصفية حسابات، بل ضرورة موضوعية. لا يمكن بناء سودان نظيف بأيدٍ ملوثة، مهما كانت خدماتها السابقة. ولا يمكن القبول بأن تتحول دماء شبابنا الأشاوس في الميدان الى أي شيء غير السودان الجديد ودولة العدالة والمؤسسات.

التحديات المتوقعة: الطريق لن يكون سهلاً والغربال سيكون “ناعم” جدا.

لكي نكون واقعيين: هذا المسار قد يواجه مقاومة شرسة من ثلاثة اتجاهات:

1/ المقاومة الداخلية:
قيادات داخل التحالف تستفيد من النظام القديم وستقاوم بكل قوة
قواعد قبلية قد ترى الإصلاحات تهديداً لامتيازاتها
انتهازيون سيحاولون استغلال الانقسامات

2/ الإحباط الشعبي:
التغيير المؤسسي بطيء، والناس جائعة ومتعبة الآن
الوعود كثيرة والنتائج قد تتأخر
خطر فقدان الصبر والعودة للمطالبة بحلول سريعة (حتى لو استبدادية)
3/ التدخلات الخارجية:
دول إقليمية لها مصلحة في سودان ضعيف ومنقسم
ضغوط اقتصادية وابتزاز مالي
محاولات لشراء ولاءات داخل التحالف

السباق مع الزمن: لماذا الإصلاح الآن؟

هناك سببان جوهريان يجعلان التحرك الفوري ضرورياً:

أولاً – رأس المال الأخلاقي قابل للتآكل: كل يوم تمر فيه قضية فساد دون محاسبة، كل قرار يُتخذ بالمحسوبية، كل وعد يُخلف – يُقلل من رصيد الثقة الشعبية. هذا الرأسمال ليس أبدياً، ونافذة الفرصة قد لا تدوم طويلاً.

ثانياً – الشعب لن يصبر إلى الأبد: هناك حاجات ملحة: الخبز، الأمن، الخدمات. إذا لم يرَ الناس تحسناً ملموساً في حياتهم خلال فترة زمنية معقولة، قد يلجئون لحلول أخرى – حتى لو كانت استبدادية. التاريخ يُعيد نفسه.

الرهان التاريخي: من الثورة إلى الدولة

المفصل الحقيقي الذي يواجه تحالف تأسيس: الانتقال من ثورة إلى دولة، من حركة تحرر إلى نظام حكم. هذا الانتقال فشلت فيه معظم الثورات في التاريخ، لأن:

القائد الثوري الناجح ليس بالضرورة حاكماً ناجحاً
القيم التي تنجح في مرحلة الكفاح (الولاء، السرية، الانضباط العسكري) قد تتحول إلى عوائق في مرحلة الحكم (الديمقراطية، الشفافية، التعددية)
الرفاق الذين حاربوا معاً قد يصبحون منافسين على السلطة
الطريقة الوحيدة لتجاوز هذا الفخ:

بناء مؤسسات أقوى من الأفراد
وضع قواعد تحكم الجميع، حتى القادة
تحويل الولاء من الأشخاص إلى المبادئ
وهذا بالضبط ما يتطلبه استثمار رأس المال الأخلاقي بحكمة.

درس التاريخ: بين جنوب أفريقيا وجنوب السودان

نحن أمام مفترق طرق تاريخي، ولنا في تجارب القارة عبرة:

نموذج جنوب أفريقيا: استطاع “المؤتمر الوطني الأفريقي” التحول من حركة تحرر إلى حزب مؤسسي (رغم عثراته)، مما حفظ الدولة.
نموذج جنوب السودان (التحذير المرعب): الحركة الشعبية، التي كانت تملك مشروعاً عظيماً هو مشروع “السودان الجديد”، فشلت بعد رحيل القائد المؤسس في بناء مؤسسات تتجاوز الأشخاص، فانزلقت في حرب أهلية مدمرة أكلت الأخضر واليابس. تحالف “تأسيس” اليوم يقف بالضبط بين هذين النموذجين. إما مأسسة تحمي المشروع، أو شخصنة تقود -لا قدر الله- إلى مصير الحركة الشعبية في جنوب السودان.

الخلاصة: الاختيار الصعب

أمام قيادة تحالف تأسيس خياران:

الخيار الأول – الطريق السهل: الاستمرار في الوضع الحالي، الاعتماد على الكاريزما الشخصية للقائدين، إدارة التوازنات القبلية والشللية، وتأجيل الإصلاحات الصعبة. هذا قد ينجح لسنوات، لكنه سيُنتج في النهاية نظاماً هجيناً: واجهة ثورية ومضمون تقليدي. ثم سيأتي اليوم الذي يتقاعد فيه القادة (أصحاب الرصيد الأخلاقي) أو يموتون، فينهار كل شيء لأنه كان مبنياً على أشخاص لا مؤسسات.

الخيار الثاني – الطريق الصعب: استثمار رأس المال الأخلاقي في فرض تحول مؤسسي جذري، مهما كلّف ذلك. هذا الطريق محفوف بالمخاطر، لكنه الوحيد الذي يمكن أن يُنتج سوداناً جديداً حقيقياً – سودان المؤسسات لا الأشخاص، القانون لا القبيلة، المواطنة لا المحسوبية.

التاريخ لن يحكم على دقلو والحلو بما رفضوه من إغراءات، بل بما بَنَوه من مؤسسات.

الثقة الشعبية رصيد ثمين، لكنها ليست غاية في حد ذاتها. الغاية الحقيقية هي بناء سودان يستمر بعد رحيل أي قائد، سودان لا يحتاج لبطل يُنقذه مرة أخرى، لأن مؤسساته قوية بما يكفي لحماية نفسها.

هذا هو الرهان الحقيقي. وهذا هو الاختبار التاريخي الذي لا يمكن تأجيله.

السودان يستحق أكثر من مجرد قادة نزيهين. يستحق نظاماً يضمن أن كل قائد قادم سيكون نزيهاً، لأن الفساد أصبح مستحيلاً، لا لأن الأفراد صالحون.

هذا ما يعنيه التغيير الجذري. وهذا ما يتطلبه استثمار رأس المال الأخلاقي بحكمة.

إرسال التعليق

لقد فاتك