حاتم الياس : عبدالله علي إبراهيم، لماذا يخاف ذهاب الكيزان؟ - صوت الوحدة

حاتم الياس : عبدالله علي إبراهيم، لماذا يخاف ذهاب الكيزان؟

في زمن ثمانيني، إبان الديمقراطية الثالثة وعهد الصادق المهدي، وجدت البلاد نفسها يطالها سوط التطرف المناخي، فكانت سيول وأمطار عام ألف وتسعمائة وثمانية وثمانين التي أدت إلى خراب كبير، وانهارت المنازل، خصوصاً في أحياء الثورة أم درمان حيث نسكن، ونالت النصيب الأكبر.
(ربما هنالك عنوان جانبي يقحم نفسه هنا: هل استفاد الإسلاميون من التغيير المناخي؟)

لكن القصة هنا مختلفة. فقد أرسل الدكتور الصيدلاني الراحل جمال الكنين، ورئيس الحزب الناصري، وكان في الكويت وقتها، رسالة إلى رفيقه (ن.ي) الناصري؛ رسالة مواساة ومعها مبلغ من المال مساعدته في بناء منزله الذي انهار. كتب له جمال الكنين:
«لقد كنا في السابق نسعى لأن نغيّر الوجود، الآن أصبحنا نخاف على الوجود نفسه ونحرص على أن يبقى كما هو».
يعني كما في اللهجة السودانية: (دايرنو في تولاتو).

ويبدو أن الحرص على الوجود المادي والاجتماعي لم يأتِ فقط بسبب التطرف المناخي بفعل التغيير المناخي الذي هاجم السودان مبكراً في الثمانينات. والطريف في الأمر ـ أو المحزن إن شئت ـ أنه بدأ في جهات الجنجويد في دارفور وكردفان، فكانت الجفاف والمجاعة، ثم لاحقاً دخل بثقله إلى عاصمة حكومة الصادق المهدي وقتها، حاملاً السيول والأمطار وتهديم المنازل. ليتداعى لنجدتنا العرب والأشقاء. قالت اليمن: إن السودانيين لا وقت لديهم ليطبخوا دقيقنا، فأرسلت الخبز الساخن بالطائرات. وكان ردّنا بعد سنوات أن أرسلنا إليهم الجيوش. كان أضخم أسطول جوي من السعودية والإمارات (لاحقاً دويلة الشر).

ودون الخوض في تفاصيل تلك الأيام، أريد أن أقول إن بروفيسور عبدالله علي إبراهيم صاحب مساهمة فكرية كبيرة ومهمة في مشهد الفكر السياسي السوداني، وأنا شخصياً من يتبعون أثر كتابته وأحرص على متابعة كل كلمة يكتبها (ما عدا مؤخراً بعد هذه الحرب).فقد انطبقت عليه مقولة اهلي جهة الباوقه وهم يستقبلون ابنهم الذي عاد برسالة دكتوراة من امريكا في بداية السبعينات وكل اكلهم في ان يشغل منصب في الدولة او ان يصبح وزيرا ليستفيدوا منه ومن علمه، لكن رغم علمه جلس واستقر بينهم لكنه عاد وهو مشغولا بمؤامرات اليهود ضد العالم والمسلمين وكان فترته تلك في أمريكا قد غاص في التاريخ اليهودي ووجد في عشيرته اول من ينبههم للخطر اليهودي بينما كان كل بالهم مشغولا في يجدوه في مكان الوظيفة والادارة العليا ليفيدهم بعلمه الأكاديمي لا بقصص اليهودي المتامر وحينما (قنعوا تب) قالوا والله فلان ده زي البطيخة نجضت لمن( لقت) فهسع فلان ده قرأ لمن لقه (يقصدون ابنهم)

ومن عباراته المهمة، وهو ينقّب في كتابه «أصيل الماركسية» عن ظاهرة الجنجويد ومحاولة إخراجها من التناول السطحي السياسي الذي يدور في فلك التناول المنظماتي الدولي والمحلي، الذي يرصد ظاهرة الانتهاكات بناءً على ما يطلبه المانحون، وليس استجابة حقيقية لصوت الضحايا. قال عبدالله علي إبراهيم في «أصيل الماركسية»، التي ناقش الظاهرة في جذرها المادي والاجتماعي ليرى تجلياتها في السياسة والدولة والبيئة وما نتج عنها من عنف: إن علاقات اقتصاد الحاكورة وحالة انحسار المرعى بسبب الجفاف وضعت عرب دارفور، الذين خرج منهم الجنجويد، في حالة تحدٍّ وجودي لحماية وجودهم نفسه. لكن تلك اللحظة التي تدخلت فيها الدولة لتوظيفهم في صراعها ضد حركات دارفور هي التي قطعت الطريق أمام مشروعية قتالهم. وقال ع.ع. إبراهيم إن الجنجويد كانوا «ثورة في الاتجاه المضاد»، أي كان عليهم أن يكون قتالهم في الجهة المباشرة (سبب الأذى) كما تقول الأغنية.

لكن رغم جودة ع.ع. إبراهيم في تسمين قطعان الرؤى المفاهيمية والنظرية، فإنه يتعثر في المشي ويتثاقل لدرجة الجلوس في (ضللة البداهات) حينما يحتاج الفكر أن يكون في حقل الممارسة العملية، وهي نفسها ممارسة نظرية. فتجد البروف حينما يُسأل عن الفرق بين الجيش والدعم السريع يقول إنه الفرق بين (المر والأمر)، دون أن يحيلنا إلى مشهد معلوم للنظر والتفكير نختبر فيه مذاق المر والأمر.

من وجهة نظري، إن بروف عبدالله في الموقف السياسي غير منقطع عن ذعر الطبقة الاجتماعية العام؛ الطبقة التي امتلكت مهام إدارة التغيير في التاريخ وتوزيع فائض الأحلام بين جهات السودان الأخرى. أي طبقة المركز (المركز كمحتوى اجتماعي تاريخي، وليس مركز أبكر آدم إسماعيل أو (المجاهد) محمد جلال هاشم، حق نظرية الهامش والمركز). ع.ع. إبراهيم وغيره ممن يقفون الآن دفاعاً عن الدولة والجيش، واقع الأمر أنهم يدافعون عن حقهم الحصري في احتكار إدارة التغيير. فهم بنوا وجوداً وتاريخاً كاملاً على ثنائية المناضل الشيوعي اليساري المطارد وعسكر ودكتاتور وسجون ومعتقلات وشالا وكوبر. بالطبع دون إنكار لهذه البطولات والنضالات والشهداء الذين سقطوا دفاعاً عن حق الشعب في حياة أفضل. لكن ذلك وجودٌ انقضى، أو يمكن أن تطلق عليه (موت دنيا). وهذه الحرب ليست مجرد مدافع وطلقات ومسيرات، وإنما قطيعة كاملة مع الماضي (ماضي احتكار إرادة التغيير). وأهم ما في هذا الماضي هو أن يبقى الإخوان والحركة الإسلامية، ليس لأنها على خطأ أو صواب، بل لأنها جزء من متعلقات ذلك الماضي. وهنا يصبح الخصم القديم أحد حُرّاس ذاكرة الدولة ما قبل الحرب.

لذا فإن ع.ع. إبراهيم يدافع عن الذاكرة الاجتماعية للدولة وموقعه فيها، بكيزانه وشيوعييه وأمته واتحادييه، حيث تُدار لعبة التغيير بحدود معلومة لا ينفرط فيها عقد السيطرة الاجتماعية الناظم للأدوار. ومثلما قال الراحل جمال الكنين: كانوا يسعون لتجميل الوجود، والآن يخافون على الوجود نفسه في أن يبقى كما كان، دون أن يهدده جنجويد ولا مسحوقو البوادي.

إرسال التعليق

لقد فاتك